كتاب الراية

خواطر قلم … في خَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَد

مرَّ بها النبيُ صلى الله عليه وسلم وتوقف فيها للراحة مع صاحبه في طريق الهجرة للمدينة

من جماليات السيرة النبوية تلك الخيمة المتواضعة الواقعة بِقُدَيْدٍ على طَرِيق السَّاحِل، حيث مرَّ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وتوقف فيها للراحة مع صاحبه في طريق الهجرة للمدينة، وما حدث فيها من معجزات، وكيف استطاعت تلك المرأة الطاعنة في السِّن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفًا دقيقًا، فقد مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّة – عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِد – وَكَانَت امْرَأَةً بَرْزَةً (كهلة كبيرة السن)، جَلْدَةً (قوية صلبة وقيل عاقلة)، تَحْتَبِي – الاحتباء الجلوس على الألية مع ضَمِّ الفخذين والساقين إلى البطن بالذراعين للاستناد وتسمى أيضًا القرفصاء- بِفِنَاءِ الْخَيْمَةِ، ثُمَّ تُطْعِمُ وَتَسْقِي مَنْ مَرَّ بِهَا، فَسَأَلَاهَا: هَلْ عِنْدَهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَت: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى وَالشَّاءُ عَازِبٌ، وَكَانَتْ سَنَةً شَهْبَاءَ، وكان القوم مُرْمِلين – نفد زادهم – مسنتين – من الجدب والمجاعة – فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ: (مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أم معبد؟)، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ وَدَعَا، فَتَفَاجَّتْ عَلَيْهِ وَدَرَّتْ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوْا، ثُمَّ شَرِبَ وَحَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، فَارْتَحَلُوا فَقَلَّمَا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أبو معبد – أكثم بن أبي الْجَوْنِ- يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكْنَ هُزَالًا لَا نِقْيَ بِهِنَّ، فَلَمَّا رَأَى اللَّبَنَ عَجِبَ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا وَالشَّاةُ عَازِبٌ؟ وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ، كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ وَمِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُهُ، صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ قَالَتْ: (رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ – مشرق الوجه مضيئة – حَسَنَ الْخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ ثَجْلَةٌ – عِظم البطن – وَلَمْ تَزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ – دقة الرأس والعنق – وَسِيمٌ قَسِيمٌ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ – السواد في العين، وقيل: شدة السواد مع شدة البياض – وفِي أَشْفَارِهِ عَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ – بحَّة – وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ – شَّدِيدُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ – إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَاهُ وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُم مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلٌ لَا نَذْزٌ وَلَا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ – ما ينظم من الجواهر- نَظْمٍ تحَدَّرْنَ، رَبْعَةٌ، لَا بَائِنُ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، هُوَ أَنْظَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ لَا عَابِسَ وَلَا مُعْتَدَ).

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْرٍ لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ فَخَرَجْت إلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوك يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ قُلْت: لَا أَدْرِي وَاَللّهِ أَيْنَ أَبِي، قَالَتْ فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي، قَالَتْ ثُمّ انْصَرَفُوا، فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ وَمَا نَدْرِي أَي وَجْه رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَتّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ يَتَغَنّى بِأَبْيَاتِ مِنْ شِعْرٍ غِنَاءَ الْعَرَبِ، وَإِنّ النّاسَ لَيَتّبِعُونَهُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ حَتّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَى مَكّةَ وَهُوَ يَقُولُ:

جَزَى اللّهُ رَبُّ النّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ

رَفِيقَيْنِ حَلا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبدِ

هُمَا نَزَلَا بِالْبِرّ ثُمّ تَرَحّلا

فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدِ

لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَقَامَ فَتَاتِهِمْ

وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

فيا لقصي مَا زَوَى اللّهُ عَنْكمْ

بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا يُجَازِي وَسُوْدُدِ

سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا

فَإِنّكُمْ إنْ تَسْأَلُوا الشّاةَ تَشْهَد

فَلَمَّا سَمِعَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ الْهَاتِفَ شَبَّ يُجَاوِبُ الْهَاتِفَ وَهُوَ يَقُولُ:

لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ

وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَغْتَدِي

تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ

وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورِ مُجَدِّدِ

هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ رَبُّهُمْ

فَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعِ الْحَقَّ يَرْشُدِ

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X