كتاب الراية

خواطر قلم.. القِلاَدَةُ وحنينُ الذكريات

القلادة التي ذكَّرت النبي صلى الله عليه وسلم بأيام وذكريات خديجة يوم زفاف ابنتها زينب

لقد عاشت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين سنة في بيت واحد عيشة هانئة مطمئنة، وكان لها فضل ومكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتها وبعد مماتها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعترفُ ويعلنُ حبَّه الكبير لها، ويُكثرُ من ذكرها والثّناء عليها، وتُعدُّ خديجة رضي الله عنها أوّل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه بما جاء به من عند الله تعالى، ولقد كان إيمانها به تخفيفًا من الله عليه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمعُ شيئًا يكرهه إلا وفرّج الله عنه بخديجة رضي الله عنها إذا رجع إليها، فقد كانت تثبّته وتخفّفُ عنه وتهوِّنُ عليه ما أهمَّه من أمر النّاس، ومن أبرز مواقفها: موقفها عند نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء، فلما رجع إليها قائلًا: (زمّلوني، زمّلوني)، فزملته خديجة حتى ذهب عنه الروع والخوف وأخبرها بما حصل معه فقالت: (كلَّا، أَبْشِرْ، فواللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا، فواللهِ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوَائِبِ الحقِّ).

ومن المواقف المؤثرة التي رقَّ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم رقةً شديدةً: قصة القلادة التي استجاشت مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم وجعلته يستعيدُ حبل الذكريات ويأخذه الحنين لأيامه الخوالي في مكة مع تلك المرأة المباركة والزوجة الموفقة، وهذا الموقف رواه الحاكم في مستدركه عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَارَاهُمْ بَعَثت زَيْنَب ابْنَة رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْقِلَادَةَ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: (إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا فَافْعَلُوا)، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَطْلَقُوهُ وَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهَا.

لقد كانت زينب رضي الله عنها كبرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مولدها قبل البعثة فتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وكانت قريش تريد من أبي العاص أن يطلقها ليزوجوه بمن شاء من بنات قريش نكاية بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنَّ أبا العاص رفض ذلك لحبِّه الكبير لها، ويهاجر المسلمون إلى المدينة وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبقى زينب في مكة وتمر الأيام وتحدث غزوة بدر، حيث خرجت قريش لملاقاة المسلمين فهُزموا بأمر الله تعالى وقُتل سبعون منهم وأُسر سبعون، وكان من بين الأسرى أبو العاص – زوج زينب – فبلغها الخبر وهي لا تزال بمكة وعلمت بفداء الأسرى فراحت تبذلُ ما في وسعها لفكاك هذا الأسير الحبيب لكنها لا تجد مالًا لفدائه، فنظرت إلى ما يمكن أن يقوى تأثيره في نفس أبيها صلى الله عليه وسلم، فلم تجد أغلى من قلادتها التي يعرفها أبوها صلى الله عليه وسلم جيدًا فوضعتها في منديل وبعثت بها مع أموال الفداء تطلب فكاك زوجها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم القلادة رقَّ لها رقةً شديدة، فقد ذكَّرته بصاحبة القلادة – زوجه خديجة – صاحبة المكانة الأثيرة في نفسه، وتذكر مناسبتها وهي ليلة زواج ابنته زينب بأبي العاص، حيث أهدت خديجة ابنتها زينب تلك القلادة فرحًا بتلك المناسبة العزيزة، حينها انبعثت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ذكريات السنين الغابرة، لقد أعادته إلى ليلةٍ كانت فيها خديجة رضي الله عنها في قمة سرورها وفرحها بزفاف ابنتها زينب.

هكذا تتابعت الذكريات الأسرية الحانية في نفس رسولنا صلى الله عليه وسلم، فتأثر لذلك تأثرًا شديدًا حتى عرف الصحابة هذا التأثر ورأوه باديًا على وجهه صلى الله عليه وسلم فتأثروا لتأثر حبيبهم وقائدهم، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن زينب اضطرت إلى أن تتخلى عن تلك القلادة الغالية إلى قلبها في هذا الظرف العصيب وفاءً لحياتها الزوجية مع زوجها أبي العاص، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها، وتردوا عليها الذي لها)، وأمام هذا المشهد المؤثر يبادرُ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين: نعم يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص وردوا إلى زينب قلادتها.

صفحة مشرقة يظهرُ فيها وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لزوجه خديجة رضي الله عنها في رسالة لنا جميعًا بأهمية حسن العهد وحفظ الود ورد الجميل.

وقد أسلم أبو العاص بن الربيع بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان وفيًا لزوجه زينب محبًا لها، فكان يذكرها إذا سافر، ومما قاله فِيها من الشعر وَكَانَ بِالشّامِ تَاجِرًا:

ذَكَرَتُ زَيْنَبَ لَمَا يَمّمَتْ إضَمًا

فَقُلْتُ سُقْيًا لِشَخْصٍ يَسْكُنُ الْحَرَمَا

بِنْتُ الْأَمِينِ جَزَاهَا اللّهُ صَالِحَةً

وَكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِاَلّذِي عَلِمَا

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X