كتاب الراية

خواطر قلم.. أخي لعمرُ الله

الفَرق بينَ صاحب القَلب المُوَفَّق وَمَيّت القَلب المَخذُول هُوَ المُبَادَرَةُ بالتَّوبَة

الإنسان لَيسَ مَعصُومًا منَ الخَطأ، وَلا هُوَ في مَنأًى منَ الوُقُوع في مَزَالق الشَّيطَان وَحَبَائله، وَلَكنَّ الفَرقَ بَينَ صاحب القَلب المُوَفَّق، وَمَيّت القَلب المَخذُول، هُوَ المُبَادَرَةُ بالتَّوبَة وَالرُّجُوع إلى الله، وَالعاقل يعلم أَنَّه لم يُخلَق إلاَّ لعبَادَة رَبّه، فَلا يتَمَادَى في الخَطَأ إذَا عَلم الصواب وَلا يتَجَاهَل إذَا ذَكَر أَو ذُكّر، بل يجب عليه أَن يَنزعَ عَن كُلّ خَطأ، وَأَن يَجتَنبَ المَحظُورَ، فلا فَلاحَ وَلا نَجَاحَ وَلا سَعَادَةَ وَلا رَاحَةَ للعبد إلاَّ بالرجوع إلى الله عز وجل وسلوك جادة الصواب، وهذا ما حصل للصحابي الجليل أَبي سُفيَانَ بن الحَارث بن عَبد المُطَّلب بن هَاشمٍ، فقد كان أَخًا لرَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَليه وَسَلَّمَ منَ الرَّضَاعَة، وَابنَ عَمّه أَرضَعَتهُ حَليمَةُ أَيَّامًا، فَكَانَ يَألَفُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بُعثَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ عَادَاهُ وَهَجَاهُ وَهَجَا أَصحَابَهُ، فَمَكَثَ عشرينَ سَنَةً مُغَاضبًا لرَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لا يَتَخَلَّفُ عَن مَوضعٍ تَسيرُ فيه قُرَيشٌ لقتَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وقد أجابه حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه بقصيدته المشهورة:

ألا أبلغ أبا سفيانَ عني

فأنتَ مجوفٌ نخبٌ هواءُ

هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنهُ

وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ

أتَهجُوهُ وَلَستَ لَهُ بكُفءٍ

فَشَرُّكُما لخَيركُمَا الفداءُ

هجوتَ مباركًا برًا حنيفًا

أمينَ الله شيمتهُ الوفاءُ

فَمَن يَهجُو رَسُولَ اللَّه منكُم

ويمدحهُ وينصرهُ سواءُ

فَإنّ أبي وَوَالدَهُ وَعرضي

لعرض محمدٍ منكم وقاءُ

فَلَمَّا أراد الله له الهداية وذُكرَ له شُخُوصُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الفَتح أَلقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في قَلبه الإسلَامَ، فَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قَبلَ نُزُوله الأَبوَاءَ، فَأَسلَمَ هُوَ وَابنُهُ جَعفَرٌ، وَخَرَجَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فَشَهدَ فَتحَ مَكَّةَ وَحُنَينًا، قَالَ أَبُو سُفيَانَ: فَلَمَّا لَقينَا العَدُوَّ بحُنَينٍ اقتَحَمتُ عَن فَرَسي وَبيَدي السَّيفُ صَلتًا، وَاللَّهُ يَعلَمُ أَنّي أُريدُ المَوتَ دُونَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ وَهُوَ يَنظُرُ إلَيَّ، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّه، هَذَا أَخُوكَ وَابنُ عَمّكَ أَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارث فَارضَ عَنهُ، قَالَ: ( قَد فَعَلتُ، يَغفرُ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانيهَا)، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقَالَ: (أَخي لَعَمري)، فَقَبَّلتُ رجلَهُ في الرّكَاب، فلما أسلم أَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارث أنشد قصيدة من أجمل القصائد بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، كفر بها عن أشعاره السابقة واعتذر مما كان مضى منه، فقال:

لَعَمرُك إنّي يَومَ أَحملُ رَايَةً

لتَغلبَ خَيلُ اللّاتي خَيلَ مُحَمّد

لَكَالمُدلج الحَيرَان أَظلَمَ لَيلُهُ

فَهَذَا أَوَاني حينَ أُهدَى فأهتدي

هَدَانيَ هَادٍ غَيرُ نَفسي وَدلني

على اللّه مَن طَرّدتُ كُلَّ مُطَرّد

أَصُدّ وَأَنأَى جَاهدًا عَن مُحَمّدٍ

وَأُدعَى وَإن لَم أَنتَسب من مُحَمّد

هُم مَا هُم مَن لَم يَقُل بهَوَاهُم

وَإن كَانَ ذَا رَأيٍ يُلَم وَيُفَنَّد

وقد أمضى أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه بقية حياته ملازما المسجد، وأقبل على العبادة إقبالًا عظيمًا، وكَانَ لا يَرفَعُ رَأسَهُ إلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ حَيَاءً منه، وقد أثنى عليه رسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كما عند الطبراني وحسّنه الألباني، بقوله: (إنَّ أَبَا سُفيَانَ خَيرُ أَهلي، أَو من خَير أَهلي)، وذَكَرَ ابنُ عَبد البَرّ بإسنَاده عَن عَائشَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنهَا قَالَت: مَرَّ عَلَينَا أَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارث فَقَالَ لي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (هَلُمّي يَا عَائشَةُ حَتَّى أُريَك ابنَ عَمّي الشَّاعرَ الَّذي كَانَ يَهجُوني، أَوَّلَ مَن يَدخُلُ المَسجدَ وَآخرَ مَن يَخرُجُ منهُ، لا يُجَاوزُ طَرَفُهُ شرَاكَ نَعله).

وقد تأثر أبو سفيان رضي الله عنه بوفاة النبي صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وبكى كثيرًا لفراقه، وقال قصيدة في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم من أجمل ما قيل في الرثاء:

أَرقتُ فَبَاتَ لَيلي لاَ يَزُولُ

وَلَيلُ أَخي المُصيبَة فيه طُولُ

فَقَد عَظُمَت مُصيبَتُنَا وَجَلَّت

عَشيَّةَ قيلَ: قَد قُبضَ الرَّسُولُ

فَقَدنَا الوَحيَ وَالتَّنزيلَ فينَا

يَرُوحُ به وَيَغدُو جبرَئيلُ

نَبيٌّ كَانَ يَجلُو الشَّكَّ عَنَّا

بمَا يُوحَى إلَيه وَمَا يَقُولُ

وَيَهدينَا فَلاَ نَخشَى ضَلاَلًا

عَلَينَا وَالرَّسُولُ لَنَا دَليلُ

أَفَاطمُ إن جَزعت فَذَاكَ عُذرٌ

وَإن لَم تَجزَعي فَهُوَ السَّبيلُ

وَقُولي في أَبيك وَلاَ تَمَلّي

وَهَل يَجزي بفَضل أَبيك قيلُ

فَقَبرُ أَبيك سَيّدُ كُلّ قَبرٍ

وَفيه سَيّدُ النَّاس الرَّسُولُ

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X