كتاب الراية

سطور شاردة.. قوم يتطهّرون

سرعان ما يأتي اطمئنان رب العباد وتأتي تبرئته من فوق سبع سماوات

يقول المولى عز وجل في محكم كتابه:

(كذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا، عَبْدَنَا وَقَالُوا، مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ).

فلما ذكر تبارك وتعالى حالَ المكذبين لرسوله وأن الآيات لا تنفع فيهم ولا تُجدي فيهم شيئًا، أنذرهم وخوّفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه.. فكان مما ذكر قوم نوح؛ أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبدون الأصنام من دون خالقهم عز وجل، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا عن ترك الشرك وعن الرجوع للحق رغم كل المعجزات، وكل الأدلة التي ساقها الله لهم على لسان نبيه نوح.. لتستمر نفس الحكاية مع كل الأنبياء والرسل تقريبًا الذين بعثوا لأقوامهم من أجل إرشادهم للهُدى والفلاح، وليستمر نفس صراع الحق والباطل وإن تغيّرت أشكاله وتبدّلت ملامحه.

ولعل مقالتي هذه ستكون حول هذه الآية الكريمة، لنقف عند قوله تعالى: (وَقَالُوا، مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ)، ونتأمل فيه، ونحاول أن نستخلصَ منه من العِبر ما يناسبُ واقعنا الآن وصراعنا الحالي بين أهل الحق وأهل الباطل.

فالمجنون في الاصطلاح هو الذي أصاب عقلَه مرضٌ، وصار لا يميّز في أقواله وأفعاله بين الصواب والخطأ، ومعنى (وازدجر): أنه زجرته الجن؛ أي: أصابته لوثةٌ عقلية، وهي من عمل الجن.

فالحقيقة أننا وإن انقضى زمن الرسل ووضعت معالم الخير والشر، ووضع دستور الناس ليوم الدين من رب الناس، إلا أننا عدنا لزمن لا يختلف كثيرًا عن زمن نوح وزمن الرسل جميعًا، فأهل الحق صاروا قلة. ففي هذا الزمن الذي تبدّلت فيه الأحوال وأصبح أهل الإيمان غرباء وسط غياهب الباطل وأهله. فالذي يقيم شرع الله ويترك الموبقات والمُلهيات كلها، ويعتصم بحبل الله ولا يخالط أهل الفساد واللهو، يتهم في عرضه وفي عقله، تارة بكونه معقّدًا وتارة أخرى بكونه مجنونًا، ومرات ثانية بأنه رجعي لا يحب الحياة. فالطهر والنظافة حين تكون استثناء، تُتّهم وتصير عارًا وتهمة في حق صاحبها. فها هم قوم لوط لم يجدوا ما يتهمون به لوطًا والمؤمنين به إلا الطهر حين انتشر الفساد وصار هو القاعدة (مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ). ما أشبه الليلة بالبارحة! فها هو الزمن يعيد نفسه وها هي نواميسه تتكرر في كل زمان ومكان، وها هم المصلحون مرة أخرى يصبحون أقلية، وها هو الصلاح والاعتصام بحبل الله ينقلب تهمة لصاحبه.

لكن سرعان ما يأتي اطمئنان رب العباد وتأتي تبرئته من فوق سبع سماوات -للنبي صلى الله عليه وسلم- ولكن من معه في مركب الحق وسط أمواج الباطل الهائجة: (ما أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) نعم لست بمجنون يا محمد، ولستم مجانين يا من اختاروا لأنفسهم الطهارة والطريق الحق، ولم تُغوِهِم الحياة الدنيا ولم يغوِهِم الغاوون، ولم يلتفتوا لملذات الحياة وزهرتِها، فلم يجذبهم المال وبريقُه، ولم يُغرِهمِ اللعب واللهو مع اللاعبين.

هي إذن آيات من هذا الكتاب السرمدي الجليل، الذي ما زال وسيظل يقود حياة الناس في كل زمان ومكان، ويُريهم خيوط الطريق المستقيم، ويبيّن لهم سبل الهدى وآل الهدى والخير. طريق وسبيل لا يتغير بتغير عدد المؤمنين ولا بحياة الأغلبية وقوانينها، ولا بما يسير عليه القطيع. لأنه سبيل رُسم من رب الناس والعالِم بما في الصدور، ولأنه طريق ارتضاه ربّ يوم تشخص فيه الأبصار.

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X