كتاب الراية

خواطر قلم.. قَبَاءُ أُكَيْدِر

الدُنيا في كامل زينتها يُقدِمُ لشرائها الغافلون ويتسابق لنيلها العابثون

الدُّنيا في كاملِ زينتِها وأبهى حُلَّتها وأجمل بهجتها، تَعرض نفسها للعباد في كلِّ وقت، فيقدِمُ لشرائها الغافلون ويتسابق لنيلها اللاهون العابثون، يتهافتون على دنيا فانية ويزهدون في الآخرة الباقية، وما ذاك إلا لعدم معرفتهم حقيقة الدنيا، ولبعدهم عن منهج الله تعالى، فتراهم يتهافتون عليها ويتنافسون من أجلها، ويتصارعون على حُطامها الزائل، رضُوا بالحياة الدنيا من الآخرة، فكانت العاقبة وخيمة والويلات مؤلمة، وقد أعطى النبي- صلى الله عليه وسلم الله- درسًا عمليًا لأصحابه- رضوان الله عليهم- وللأمة من بعدهم بحقارة الدنيا الفانية في مقابل نعيم الآخرة الباقية، وكان هذا الدرس في إحدى غزواته- صلى الله عليه وسلم- ناحية دومة الجندل في شمال الجزيرة، قال ابنُ إسحق: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَبَعَثَهُ إلَى أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ، وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالِدٍ: إنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ، فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَبَاتَتْ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْت مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ! قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ؟ قَالَ: لَا أَحَدَ، فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ، فَأُسْرِجَ لَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أَخٌ يُقَالُ لَهُ حَسَّانُ. فَرَكِبَ، وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمُطَارِدِهِمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا تَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَخَذَتْهُ، وَقَتَلُوا أَخَاهُ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ – ثوب مفتوح من الأمام – مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ، فَبَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ قُدُومِهِ بِهِ عَلَيْهِ، قال أنسُ بنُ مالك: رَأَيْتُ قَبَاءَ أُكَيْدِر حِينَ قَدِمَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: (أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟)، قُلْنَا: نَعَمْ قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْد بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا)، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أصحابه يتعجبون من ليونة ونعومة قَباء أكيدر دومة الجندل خاف على بعضهم الميل إلى متاع الدنيا، فصرفهم حالًا إلى الآخرة وتذكُّرِ الجنة فقال- صلى الله عليه وسلم-: (أتعجبون من هذا؟)، يعني: إن كنتم رأيتم شيئًا من فتنة الدنيا فإن ذلك لا يعادل شيئًا من نعيم الجنة.

وقد استشهد النبي- صلى الله عليه وسلم- بالصحابي الجليل سعدٍ بن معاذ رضي الله عنه لمواقفه الجليلة في الإسلام، فهو القائل للنبي صلى الله عليه وسلم قبل معركة بدر عندما قال- صلى الله عليه وسلم-: (أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ): « قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْن مَعَك، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ»، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X