fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك ….. كُتُبٌ تَحترقُ (3/3)

بعض العلماء تخلصوا من كتبهم حتى لا يتم التلاعب بها من بعدهم

«فعجبتُ من انزواء وجه العُذر عنك في ذلك، كأنّك لم تقرأ قوله جلّ وعزّ: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وَجْهَه لَهُ الحُكْمُ وإليه تُرجَعُون)، وكأنّك لم تأبه لقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عليها فانٍ). وكأنك لم تعلم أنّه لا ثبات لشيء من الدنيا وإن كان شريفَ الجوهر كريم العنصر، ما دام مُقلَّبًا بيد اللّيل والنّهار، معروضًا على أحداث الدهر وتَعاوُدِ الأيام… ثم اعلمْ- علّمكَ الله الخيرَ- أنَّ هذه الكتب حوتْ من أصناف العلمِ سِرّه وعلانيته، فأمّا ما كان سِرًّا فلم أجد له من يتحلّى بحقيقته راغبًا، وأمّا ما كان علانية فلم أُصِب مَن يحرص عليه طالبًا، على أنّي جمعتُ أكثرها للنّاس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولِمَدّ الجاه عندهم فحُرِمتُ ذلك كُلّه، ولا شكّ في حُسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي، وربطه بأمري، وكرهتُ مع هذا وغيره أن تكون حُجّةً عليَّ لا لي، ومِمّا شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه، أنّي فقدتُ ولدًا نجيبًا، وصديقًا حبيبًا، وصاحبًا قريبًا، وتابعًا أديبًا، ورئيسًا مُنيبًا، فَشَقَّ عليَّ أن أَدَعها لقومٍ يتلاعبون بها، ويُدنِّسون عِرضي إذا نَظَروا فيها، ويَشمَتون بِسَهوي وغلطي إذا تَصَفَّحوها، ويتراءَون نقصي وعيبي من أجلها.. وكيف أتركها لأناسٍ جاورْتُهم عشرين سنةً فما صَحّ لي من أحدهم وِداد؟ ولا ظَهَر لي من إنسان منهم حِفاظ، ولقد اضطُرِرتُ بينهم بعد الشُّهرة والمعرفة في أوقاتٍ كثيرة إلى أَكْل الخُضَر في الصّحراء، وإلى التَّكَفُّف الفاضح عند الخاصّة والعامّة، وإلى بَيْع الدِّين والمُروءة، وإلى تعاطي الرّياء بالسُّمعة والنّفاق، وإلى ما لا يَحسُنُ بالحُرّ أنْ يَرسُمَه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزّمان باديةٌ لعينك، بارزةٌ بين مسائك وصباحك، وليس ما قلتُه بخافٍ عليك مع معرفتك وفطنتك، وشدّة تتبُّعك وتفرُّغك، وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلتُه وأتيتُه بما قدّمتُه ووصفتُه، وبما أمسكتُ عنه وطويتُه إمّا هربًا من التّطويل، وإمّا خوفًا من القال والقيل. وبعدُ فقد أصبحتُ هامةً اليوم أو غدًا، فإني في عَشرِ التّسعين، وهل لي بعد الكبرة والعجز أملٌ في حياةٍ لذيذة؟ أو رجاءٍ لحالٍ جديدة..» «انتهى كلام التوحيديّ»

وبعضُ العلماء والكُتّاب فقدوا كتبهم لعِلّة خارجةٍ عن إرادتهم، مثل أنْ تأكلها الأرَضَة، أو يُصيبَها العَفَن، أو تغرقَ بالماء إذا فاض، وأنا فقدتُ جزءًا من مكتبتي بعد يومٍ مطيرٍ شديد المطر، وكانتْ كتبي في الطّابق السُّفليّ وهو منخفضٌ عن الشّارع مِمّا سهّل دخول الماء إلى المكتبة، فامتلأتْ أرضُها حوالي نصف مترٍ بالماء، فكلّ كتابٍ كان على الأرض، أو في الرّفوف السّفلى على هذا العلّو أو دونه من كُتُبي تَلِف، وذابتْ أوراقُه في هذا الفَيَضان.

وقد فقد آخرون كتبهم بحريقٍ غير مُفتعَلٍ أتى عليها، كقصّة الإمام الحافظ ابن المُلقِّن المُتوفَّى بالقاهرة سنة (804) للهجرة والّذي بلغتْ مؤلّفاته حوالي (300) كتابٍ، وهي قصّة مشهورة. قال عنه الحافظ ابن حجر: «وكان عنده من الكُتُب ما لا يدخل تحت الحصر، ثُمّ إنّها احترقتْ مع أكثر مُسوّداته في أواخر عمره، فَفُقِد أكثرها، وتغيَّر حالُه بعدها، وكان قبل احتراقها مُستقيمَ الذّهن، فحَجَبَه ولدُه عن الناس إلى أنْ مات». وأنشدَه الحافظ ابن حجر مُخفِّفًا عنه:

لا يُزْعِجَنَّكَ يا سِراجَ الدِّيْنِ إِنْ

لَعِبَت بِكُتْبِكَ أَلْسُنُ النّيْرانِ

للهِ قَدْ قَرَّبْتَها فَتُقُبِّلتْ

والنّارُ مُسرِعةٌ إلى القُربانِ

وهناك سببٌ آخَر أدّى إلى إقدام هؤلاء على ذلك، سببٌ أشار التّوحيديّ في رسالته السّابقة إلى بعضِه، قد لا يفطن المرء إليه؛ إذ تَخلَّص بعض العلماء من كتبهم لئلا يتمّ التّلاعب بها من بعدهم من قِبَل الجَهَلة أو أهل الأهواء، أو دَسُّ فيها ما ليس منها، وأشار الخطيب البغدادي في كتابه «تقييد العلم» إلى أن بعض المُتقدِّمين كان إذا حضرتْه الوفاة أتلف كتبه بنفسه، أو أوصى بإتلافها خوفًا من أن تصير إلى مَنْ ليس مِن أهل العِلم، فلا يَعرِف أحكامَها، ويحملُ جميعَ ما فيها على ظاهره، وربّما زاد فيها ونَقَص، فيكون ذلك منسوبًا إلى كاتبها في الأصل. وهذا كلّه وما أشبهه قد نُقِل عن المُتقدّمين الاحتراسُ منه.

لم يكنِ التّوحيديُّ الوحيدَ في ذلك، فلو أشفيتُ على تتمّة رسالته إلى القاضي أبي سهل، لذكرتُ مَنْ فعلها قبله، ولقد نقلتْ رواية (تسعة عشر) قصص آخرين وقعوا فيما وقع فيه التّوحيديّ أو أشدّ، وأدارت الرّواية على هؤلاء فصلًا كامِلًا، فمنهم على سبيل التّمثيل قصّة هذا: « ثُمّ دار الكلام على يوسف بن أسباط، فقال: إنّني صعدتُ إلى أعلى جبلٍ في زماني، لا تكادُ تصل إليه إلا الطّيور الجارحة، وبحثتُ عن غارٍ لا تسكنه الجِنّ، وألقيتُ كُتُبي هناك، ودفعتُ صخرةً دحرجْتُها حتّى سدّتْ باب الغار، وطيّنتُ على ما تبقّى من شقوقٍ في فم الغار، وتركتُها هناك إلى يومِ يُبعثون». فسألتُه: «والغار؟». فقال: «أشرق بالنّور».

انتهى

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X