fbpx
كتاب الراية

خواطر مسافرة.. الشعوب حماة أوطانها

المتاجرون بوطنهم والمتكسبون من مشاريعهم الصغيرة.. أشد خطرًا

ليس الشرفاء وحدهم من يتألمون لأوجاع وطنهم، وباستثناء المتكسبين من أنين أوطانهم ومعاناة شعوبهم، والمتسكعين على أرصفةٍ ودهاليزَ هنا وهناك، وأولئك الذين تفوح رائحةُ فسادهم عبر القارات، ثم يأتي من فقدوا الشعور الأدنى بالانتماء لوطنهم حين لا ينفكون يتاجرون بقضاياه ومعاناة شعبهم في مقابل مكاسب مشبوهة، ولا يستنكفون عن تقديم وطنهم مشوهًا وضعيفًا ومنكسرًا، ثم يجعلون من أنفسهم منقذين وحماة للوطن في مشاهد وممارسات هزلية وخفة مكشوفة، هؤلاء المُستثْنَون هم أسباب البلاء الذي يختنق به الوطن، وهم من جعل الوطن عليلًا في أوج قوته، ومنكسرًا، وكان في أعلى مراتب شموخه وإبائه، وعاجزًا وكان في قمة عطائه.
نعم ليس الشرفاء وحدهم من يتألمون لأوجاع وطنهم، وإنما كل البسطاء والفقراء والمظلومين والجياع الذين آثروا العيش فيه والتعايش مع المعاناة والمحن والحروب والصراعات والفوضى وعصابات النهب وقطاع الطرق، ومع المآسي التي تتقاذف بوطنهم مهما بلغت درجة تعاستهم وتفاقمت معاناتهم، فهذا الوطن المنهك اليوم هو ذاته الوطن الذي ترعرعوا فيه وتذوَّقوا حلاوته ورغد العيش فوق ترابه، وتعلموا أبجديات حبه وتغنَّوا بأناشيده وارتبطوا بتاريخه وتراثه وتقاليده ونحتوا ذكرياتهم على صخوره وجباله وأوديته، وسلكوا دروبه وزرعوا أرضه وحصدوا ثماره وشربوا من مياهه واستمتعوا بشروق شمسه وصفاء سمائه، وفي وطنهم امتزجت أفراحهم مع أحزانهم وضحكاتهم مع دموعهم، وأمنهم مع خوفهم، وهؤلاء فقط يعتصرهم الألم عصرًا كلما شعروا بأنين وطنهم وأوجاعه ولم يفقدوا الأمل في شفائه وتعافيه، فالأوطان تمرض ولا تموت والناس يرحلون والوطن باقٍ لا يرحل مع من رحلوا ولا يتخلى عن أبنائه وإن تخلوا عنه.
إنَّ المتاجرين بوطنهم، والمتكسبين من مشاريعهم الصغيرة، ودعاة الفتن والتفتيت، والفاسدين ممن لا هم لهم سوى تحقيق مصالحهم على أوجاع وطنهم، هؤلاء أشد خطرًا على وطنهم وشعبهم، وأشد إيلامًا من طعنات الأعداء وأطماع المتربصين بوحدة الوطن وسيادته وثرواته ومكتسباته، ولنا في عديد بلدان في محيطنا الإقليمي أكثر من نموذج وعبرة، حيث إن دولًا كانت تتمتع بالقوة والثروة والنفوذ الاقتصادي والسياسي، باتت اليوم عاجزة عن الخروج من شرنقة الصراع والأطماع والمساومات نتيجة ممارسات وطيش ومغامرات وحروب المتنازعين من أبنائها، وأمست عاجزة عن مقاومة أوجاعها والتعافي من جروحها، في حين تمتلك تلك البلدان مثل وطني من الخيرات والثروات والرصيد الحضاري والإنساني ما يجعلها آمنة ومزدهرة ومستقرة وتتسع لكل أبنائها، فهل يدرك من يتسببون في كل هذه الأوجاع لوطنهم أنَّ الأجيال القادمة لن تغفر لهم ولن يرحمهم التاريخ، ولن يفلتوا من نقمة شعبهم، وإن ظنوا أنهم ناجون بما كسبت أيديهم.
يقول المثل اليمني: (من عاش خَبّر)، وأنا على يقين بأن وطني لن يرزح طويلًا حبيس أوجاعه، ولن يطول صمت شعبه، وإن تكالبت عليه المحن، فالشعوب حماة أوطانها، وإن وهنت، وهي عنوان شموخه وصموده، ولم يفقد اليمنيون قدرتهم على مواجهة التحديات التي يواجهها وطنهم، وإفشال كل المشاريع الصغيرة التي تصبُّ في مخطط تفتيته والنيل من إرادتهم لجهة النجاة بوطنهم ولملمة جراحه والتنكيل بمن غدروا به وتاجروا بمصيره وسيادته وحاضره ومستقبله، ومن عاثوا فيه فسادًا وبطشًا وتدميرًا، ولن تأمن النعاج ولن تهنأ بالعيش والمرعى وهي قريبة من مراتع الأسود، (ومن عاش خَبّر).

صحفي وكاتب يمني

 

[email protected]

 

@fmukaram

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X