fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة.. الجانب المشرق للمصائب والأزمات

تكمن أهمية الأزمات أنها تضعك في قلب المشكلة وتستدعي منك استنفار قدراتك

في العام 1998 كانت اليابانُ تحشدُ طاقتَها لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتويَّة، وبدأت بإنشاء مشروع سكك حديد يربط بين العاصمة طوكيو ومدينة ناجنو، وأثناء العمل في حفر أنفاق شبكة السكك الحديد حلَّت أزمة غير متوقعة، أمطار غزيرة وسيول جارفة ملأت الأنفاق بشكل تام ووجدت الشركة المنفذة للمشروع نفسها أمام تحدٍّ كبير وساعة الوقت تحاصرها للإنجاز.
فورًا سارعت الشركة للاستعانة بمكاتب استشارية لمعالجة الكارثة، وكانت الصدمة أن كل الحلول المقترحة مكلفة للغاية والأهم أنها تحتاج إلى وقت طويل للإنجاز، وفجأة جاء الحل من عامل بسيط في الشركة حيث شعر بالعطش الشديد أثناء تواجده بأحد الأنفاق المغمورة بالمياه فلم يكن أمامه إلا أن يشرب من ماء الأنفاق وعندها اكتشف أن الماء شديد العذوبة وطعمه أفضل من المياه المُعلبة.
سارع العامل إلى إبلاغ رئيسه في العمل وقدّم مقترحًا ببناء مخازن سريعة لتعبئة هذه المياه وفلترتها وتوزيعها كهدايا للجماهير في الأولمبياد، ودرست الشركة الفكرة ونفَّذتها على الفور، وتأسست بموجبها شركة مياه جديدة تولت مهمة فلترة تلك المياه وتوزيعها على الجماهير ثم شملت المنازل والشركات، وتحوَّلت الأزمة إلى فرصة استثمارية كبيرة.
الشاهد من هذه القصَّة المُلهمة أن كل أزمة ومصيبة على الأفراد ومنظمات العمل تحمل في طياتها الكثير من الفرص والفوائد الخفيَّة، والمطلوب هو كيفيَّة إدارة الأزمة بشكل إبداعي لالتقاط تلك الفرص وتحويلها إلى مصدر قوة.
خلال العامَين الماضيَين لاحظنا كيف استطاعت بعض المنظمات الاستفادة من أزمة كورونا إلى صناعة نقلة هائلة في مستوى الإدارة وتحديث الأنظمة وابتكار أدوات جديدة قادت إلى تحقيق فوائد عظيمة، وكيف سقطت بعض المنظمات بفعل إدارتها التقليديَّة للأزمة وتجرَّعت الكثير من الخسائر وأصبحت في مؤخرة القطار.
على مستوى الأفراد والمنظمات والدول قادت الكثير من الأزمات والشدائد إلى تحوُّلات كبيرة وإنجازات مشهودة، وكثير من الابتكارات، والمشاريع العملاقة التي نشهدها اليوم بدأت من مشكلة وتحوَّلت إلى معجزات استثنائية خدمت البشرية.
تكمن أهمية الأزمات أنها تضعك في قلب المشكلة، وتستدعي منك استنفار كل ما لديك من قدرات ومواهب وشجاعة وهمَّة لا تلين للعودة إلى المسار الصحيح، وكل مصيبة تعترض حياة الإنسان السوي تفتح سمعه وبصره وتقوّي عزيمته، فتتحوَّل خسائرُه إلى أرباح.
والعِبرة ليست في خلو الحياة من المُشكلات والأزمات، بل في كيفية التعاطي معها، وهي عامل قوة ومناعة، ومن خلالها نستطيع اكتشاف القدرة والكفاءة في المعالجة والإدارة وتقديم الحلول المبتكرة، ومن خلال الأزمات نستطيع إعادة ترتيب الأولويات وتغيير الخطط واكتشاف مواطن قوَّة جديدة يمكن العمل عليها واستثمارها. الأزمات تنمِّي ملكة الصبر والثبات، وتمنعك من الوقوع في شراك الغرور والقوة، وتمنحك فرصة للتوقف والتفكير وفتح أبواب جديدة، وتجعلك في مواجهة مباشرة مع المشكلة لصناعة حلول ناضجة.
أخيرًا تذكَّر أنَّ الفرص تولد من رحم الأزمات، ولكن الفرص تحتاج إلى عزيمة في مواجهة التحدِّي، وعدم التسليم وقبول التغيير، والحفاظ على الإيجابية، وتغيير استراتيجية العمل.

 

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X