fbpx
كتاب الراية

خواطر.. طاقة فرج

مطلوب نشر ثقافة الاكتفاء والاستغناء عن كل ما يُغذّي المظاهر الزائفة

باتت ظاهرة العزوف عن الزواج مصدر قلق الأسرة والمجتمع، فحالة عدم الاستقرار النفسي منتشرة، وهي من المشكلات التي يتخبط فيها شباب اليوم.

ظاهريًّا تبدو الأسباب الاقتصادية العائق الأكبر وراء عزوف الشباب عن الزواج، لكن الفلسفة المعرفية واندماج الثقافات، واتساع دائرة التعارف في ظل سهولة الاختلاط، والتطور التكنولوجي، وفي مقدمته مواقع التواصل الاجتماعي، أثّرت على الكثيرين.

وبالتعمق أكثر نجد أن العزوف عن الزواج مرتبط طرديًا بالاستقلالية الممتدة من ثقافة تحقيق الذات «الأنا»، والتركيز على الشغف والميول الشخصية، ووضع الراحة النفسية فوق كل اعتبار وقبل أي التزامات أسرية ومجتمعية.

ولنتأمل في مُصطلحاتٍ مثل: كُن نفسك، حقق ذاتك، كُن قائدًا لا تابعًا، اصعد إلى القمّة فالقاع مزدحم، كلها في مفهومها العام إيجابية، لكنها تُلحّ على مبدأ التفرّد والاستقلالية الشخصية والمادية، وليس في التميز عيب إلاّ إذا استحوذت الفوقيّة على الشخص، وجعلته متغاضيًا عن رضا الوالدين، مُستنكرًا امتعاض زوجته وبنيه، ضاربًا بمشاعرهم عرض الحائط.

ورغم السعي للاستقلال المادي، إلاّ أن الترويج لقروض الزواج، أو لإنشاء مشاريع تجارية يُغري الكثيرين، بينما الأجدر نشر ثقافة الاكتفاء والاستغناء عن كل ما يُغذّي المظاهر الزائفة.

ومن خلال متابعة النقاشات حول ظاهرتي العزوف عن الزواج وكثرة الطلاق، تضمنت الآراء وجوب فترة خطوبة لتعارف المُقبلين على الزواج، عِلمًا بأن ذلك لم يحدّ من الطلاق في المجتمعات المنفتحة.

وما أهون الطلاق بدون أطفال يقعون في طائلة النزاع والمحاكم، ومن المؤسف تجاهل الأزواج لمشاعر أطفالهم، من خوفٍ وعدم استقرار، وشعورٍ بالذنب وكأنهم سبب الخلافات، حيث لا يخلو العتاب والاتهام من تحمل مسؤوليتهم، وتقصير أحد الوالدين بهم ماديًّا أو تربويًّا أو عاطفيًّا، فيشعرون بأنهم عبء وعائقٌ في طريق سعادتهما.

الطلاقُ حلالٌ والزواج حلالٌ، وبينهما هو وهي وبضعة أرواح أخرى، نسأل الله الهداية وحُسن الاختيار. لكن المعاملة الحسنة والشعور بالأمان أساس العلاقات الناجحة، لقوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».

وللناس دور في الزواج والطلاق من حيث المعارضة، أو التحريض، أو التشجيع، أو تضخيم الأسباب أو تبسيطها من حيث لا يعلمون، ومن يتبعهم متغاضيًا عن شرع الله، يكن من الخاسرين، يقول الله تعالى في سورة الطلاق: «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏». فالعلاقات عامّة قد تنتهي بالموت، أو الهجر، أو بحكم قضائي، ولكن ماذا عن الخلافات المؤذية التي يستبد فيها الظالم مُتَعَسِّفًا في استخدام حقوقه الشرعية؟

عندها، لماذا يبغض البشر الحق الشرعي في رفض الظلم؟ وماذا عن قوله تعالى: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، كُلّها آيات تبعث على التفكر في القدرة على التحمّل، وتُدخل المرء في محاسبة ذاتية، منذ بِدء الارتباط إلى اللحظة التي طغت بها آلام الغُبن والتلاعب والإهانة، فيُجبِر البعض نفسه على الاستمرار، بينما يبتعد البعض الآخر.

الإنسان مُتغيّر، لذا يُصاب البعض بخيبة أملٍ حين يتغيّر أحدهم، فيحاول ويحاول، قد ينجح وقد ينجح، لا فشل في الأمر، إنّما هو العيش بهدف إكمال المسيرة وتحمل المسؤوليات التي غالبًا كان يؤديها وحده، ولكنه اختار أن ينأى بنفسه عن الأذى.

المقارنة كانت سببًا في رفض إبليس أوامر الله بالسجود لآدم، والرغبة في الممنوع كانت سببًا في هبوط سيدنا آدم للأرض، ولا يزال إبليس يطغى في إغوائنا: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ».

فذَكّر إنّ الذكرى تنفع المؤمنين.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X