fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. يقولون.. لغة العاجزين

من تعوَّدَ على الكذب سيظل في أذهان الناس كذابًا حتى وإن قال صدقًا

يتحدَّثُ إليك أحدهم بحديث مطوَّل يصدعُ الدماغ، ويُرهقُ الأعصاب، دون أن يكلَّ أو يملَّ، وإذا سألته عن مصدر معلوماته قال لك: يقولون.

ويكلمك آخر عن واقعةٍ ما، بحديث ممل يستهلكُ معظم وقتك، وعندما تسأله عن مدى صدق روايته يفاجئك بقوله: يقولون.

وينقلُ إليك آخر نبأ خطيرًا عن فلان أو علَّان وما وقع له من مشكلات أسرية أو اجتماعية، وعندما تسأله عن صحة ذلك يقول: يقولون.

وهكذا تصبحُ كلمة (يقولون) مشجبًا يُعلقُ عليه هؤلاء وأمثالهم، عجزَهم عن إثبات صحة ما ينقلون من أخبار، وما يتحدثون به من وقائع يدَّعون العلم بها، وإذا سألتهم عن مصدرها قالوا: يقولون.

وتكثرُ كلمة «يقولون» في أوقات الأزمات والأحداث الكبرى حتى لا يعرف المتلقي ما هو الصحيح منها وما هو الخطأ! وإذا تخاصمَ فريقان، فإن كل فريق يحاولُ أن تميلَ كفة ميزانه، حتى وإن ملأها بالأكاذيب والادعاءات الباطلة، وقد أصبحت كلمة يقولون تترددُ على أفواه الكثيرين، الذين أمست هوايتهم هي النقل العشوائي لما يسمعون، ليس ذلك فحسب، بل إنهم لا يترددون في إضافة بعض الأكاذيب لتصبحَ رواياتهم أكثر تشويقًا من وجهة نظرهم، وحقيقتها أنها أكثر تشويهًا لما ينقلون دون تأنٍ أو تفكير في السلبيات التي ينطوي عليها هذا النقل، بما قد يجلبه على غيرهم من أضرار ومساوئ، إذا أصبح النقل يتعلقُ بأمور ذات صفة خصوصية لأشخاص معروفين.

والأدهى والأمرُّ أن بعضهم قد يختلقُ حكايات لا أساس لها لمجرد الحديث، عندما يضمُّه اجتماع مع بعض معارفه، ويريد أن يستأثرَ بالحديث بينهم فيلجأ إلى نسج خيوط حكاية لا أساس لها عن أحداث عامة، أو عن أناس أحياء ومعروفين، ليدخلَ دون أن يدري في محاذير البهتان والاغتياب والافتراء، وكلها أساليب مرفوضة في التعامل مع الناس لما فيها من الإثم الذي يتحمله أمثال هؤلاء، وهم يجدون لذتهم في مثل هذا الانحراف في التفكير، وهو من أسوأ ما يرتكبه الإنسان ضد نفسه وضد غيره، وكم جلبَ هذا السلوك من ويلات على بعض الناس، وخلق بينهم الكراهية والبغضاء، نتيجة كذبة افتراها عابث، ورددها مأفون، ونشرها ذو ضمير ميت، وتحملَ نتيجتها بريء لا ذنب له فيما قيل عنه.

وفي التنزيل الكريم (ولولا فضل من الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب أليم، إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم)، وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (ذكرك أخاك بما يكره). قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته). والبهتان شر مستطير، عذابه في الآخرة أشد وأقسى.

من هنا تأتي أهمية تجنب هذه الفئة من الناس الذين لا يعرفون من لغة الحديث سوى كلمة «يقولون»، وفي ظلالها ينتهكون الحرمات بالأكاذيب، ويفترون على الناس بالباطل، لمجرد إشباع شهوة الكلام، أو التظاهر بالمعرفة، أو الاستحواذ على اهتمام الآخرين، وكلما أوغلوا في الكذب شعروا بتضخم الذات، وأهميتها الوهمية، فكانوا كمن يسيرُ في الرمال المتحركة، تلتهمهم كلما حاولوا التخلص منها، قال الشاعر:

لا يكذب المرء إلا من مهانته

أو عادة السوء أو من قلة الأدب

ومن تعوَّدَ على الكذب سيظل في أذهان الناس كذابًا حتى وإن قال صدقًا، وهذا خير عقاب له في الدنيا، قبل عقاب الآخرة.

ومن قال: «يقولون»، فهو يزيحُ كذبه على غيره، ظنًا منه أنه بريء من تبعة أقواله، وهو لا يدركُ أنه بذلك يرتكبُ خطيئتَين، الأولى الكذب، والثانية إسناد هذا الكذب لغيره، وكل واحدة منهما أشد قبحًا من الأخرى، والعياذ بالله، فلغة «يقولون» هي لغة العاجزين عن إثبات صحة أقوالهم، غير عابئين بوعي الناس وقدرتهم على معرفة الفرق بين الغث والسمين.

(ومن قال: «يقولون» فقد كذب).

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X