fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك…. المتنبي والسلاطين

المتنبي كان يبحث عن سلاطين يتكئ عليهم من أجل أن يصل إلى طموحه

وَجَنَّبَنِي قُرْبَ السّلاطِيْنِ مَقْتُهَا

وَمَا يَقْتَضِيْنِي مِنْ جَمَاجِمِهَا النَّسْرُ

وهذا بيت من أعظم أنَفَات المتنبِّي، فالأنَفة والعزَّة فيه متضخَّمة جدًا. وهو يخاطب سلطانًا. يعني: الّذي جنَّبني ألّا أُكثِر التَّرداد على أبواب السَّلاطين؛ هو كُرهي للسَّلاطين. وهذا البيت ينفي وحده -وهو يقوله أمام سلطان- فكرة أنَّ المتنبِّي ارتمى على أبواب السَّلاطين.

ذهب إلى السَّلاطين؟ صحيح. لكنَّ الَّذين ذهب إليهم ومَدَحهم لا يساوون عُشر من لم يذهب إليهم وتأَبَّى أنْ يمدحهم، تسعة أعشار السَّلاطين تَرَجَّوْه أن يكتب فيهم شعرًا فما فعل، لكنَّ هذا العُشر المتبقِّي الّذي ذهب إليه معدود، فنحن لا نعتد بالسَّلاطين أو بالأمراء العاديّين الّذين مدحهم في البداية؛ لأنَّه كان يبحث عن ذاته، لكن بعد أن استقرَّ في بلاط سيف الدولة كم سلطانًا مدح؟ وانظر كم سلطانًا طلب منه أن يمدحه؛ فلم يفعل.

هذه الفكرة يجب أنْ تُعرَفَ حتَّى لا نقعَ في مغالَطاتٍ في حياة المتنبِّي؛ يجب أن نأخذ المتنبّي كُلًّا مُتكامِلًا، فلا يصحُّ أن تقول ها هو قد ارتمى على باب كافور، وتركَ سيفَ الدّولة؛ لأنّه كان يبحث عمَّن يعطيه أكثر، لا ليس كذلك ألبتّة.

مَنْ يعرف المتنبّي يعرف أنَّ هذه ليست حقيقةً أبدًا؛ بل هذه معلومة مغلوطة عنه، هو كان يبحث عن ذاته، كان يبحث عن طموحه، كان يبحث عن سلاطين يتكئ عليهم؛ من أجل أن يصل إلى طموحه، كان يبحث عن جسرٍ؛ السَّلاطين والملوك والأمراء لم يكونوا في الأغلب إلَّا جسرًا يعبر فوقهم، يدوسهم بأقدامه؛ من أجل أن يصل إلى غايته، لذلك هذا البيت يعبِّر تمامًا عن المتنبِّي، وهذا البيتُ ليس في أواخر ما قال المتنبِّي؛ بل ربَّما في نهاية الثُّلث الأوَّل من حياته.

وَجَنَّبَنِي قُرْبَ السّلاطِيْنِ مَقْتُهَا: أي جعلني أتجنّب أن أقترب من السَّلاطين أنَّني أكرههم.

والسؤال: لِمَ يكرههم المتنبِّي؟

لأنّهم لُكْنٌ، ولأنَّ كلَّ واحد منهم لسانه فيه عِيّ، ولأنّهم ليسوا عربًا، ولأنَّهم لا يحكمون بعزَّة؛ إنَّما هم تابِعون أذلَّاء، وكُلٌّ يلعب فيه هواه فما يجد في السَّلاطين تلك الهمَّة الَّتي كان يريدها من نفسه أن تكون فيهم.

ثُمّ قفلَ البيتَ فقال: وَمَا يَقْتَضِيْنِي مِنْ جَمَاجِمِهَا النَّسْرُ

وهو سببٌ آخرُ دعاه إلى اجتناب الاقتراب من السَّلاطين: وهو ما تطلبه النّسور الجوارح من غذاء وطعام، يقول: أنا عوّدتُ النّسور على أن أقدِّم لهم طعامًا، والطّعام هو جماجم هؤلاء السَّلاطين.

أريد أن أقتلهم، وأرمي جثثهم للنّسور؛ لكي تنهشها، فالنّسور تنتظرني حتَّى آتيهم بهذه الأطعمة، وهذه الأطعمة إنَّما هي لحوم الملوك؛ فلذلك تجنَّبتُ أن أقترب منهم. فما الجرأة الَّتي دعتْه أنْ يقول مثل هذا الكلام عن السَّلاطين وهو يُنشِد القصيدة أمام أحد هؤلاء السَّلاطين؟

كأنّه يريدُ أنْ يقول: ولكنَّك أيُّها السُّلطان مختلف.

أو إنَّني أحذِّرك أيُّها السَّلطانُ عادتي ألَّا أقترب من السَّلاطين، فإمَّا أن تكون من الّذين أريد أن أجد فيهم ما آمُل، ويُحقّقون ما أطمح إليه، وإمَّا أن تكون من النّوع الثّاني؛ من السّلاطين الّذين أرمي بجُثثهم إلى النّسور؛ لكي تشبع منها.

وهذا البيتُ فيه دلالةٌ واضحةٌ على شدّة عزَّة المتنبِّي وكبريائه.

وهذه رؤيتي لهذا البيت، وهذه رؤيتي أيضًا من إحاطتي بحياة المتنبِّي، وإدراكي للفلسفة الّتي يقوم عليها عقل المتنبِّي، الّذي رُمي بكثير من الإساءات والاتِّهامات غير الصَّائبة، وحتَّى الشُّرَّاح الكبار مثل العَكْبري، قال في هذا البيت قولًا لا يليق، قال: «المعنى يَقُول نهاني عَن قربي من مجَالِس السّلاطين بغضي لَهُم وَالطير تطالبني بِأَكْل لحومهم وتنتظر لِمَا عَوَّدتُها، وَهَذَا من كَلَامه الْبَارِد وحُمقه الزَّائِد، وَلَو قَالَ هَذَا سيف الدّولة علي بن حمدَان؛ لَانتُقِد عَلَيْهِ» .

أي لو قاله أمير مثل سيف الدّولة؛ لكان منتقدًا عليه أن يقول هذا الكلام، فكيف لو قاله شاعر عاديّ؟

يا سيّدي هذا ليس كلامًا باردًا أبدًا، والله إنّه في يومنا هذا من أشرف القول؛ لأنَّ السّلاطين عبر الأزمنة لم يكن لهم إلَّا أن يحافظوا على كراسيّهم، وإلَّا أن يقتلوا حتَّى يبقى هذا الكرسيّ الّذي يجلسون عليه مثبّتًا بدماء الضَّحايا الّذين أبادوهم؛ من أجل أن يستمروا في مناصبهم.

فهذا البيت يكون صحيحًا لزماننا هذا أكثر من أيِّ زمن آخر.

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X