fbpx
كتاب الراية

نقطة ومن أول السطر.. البيوت بدون أهلها لا شيء

نعم.. الإنسان هو روح الحياة.. سجاياه السامية تبقى حين يُغادر

خلال فترة الجائحة دخلت أحدَ المُجمَّعات، وجدتُه كالمهجور يخلو من الناس، أغلقت المحلات أبوابَها باستثناء واحد مُخصص للغذاء، واقعٌ حزين لم يتوقعه أحد، لم يغادرني المشهد، كتبت على وقع ذلك المشهد في حسابي:

«بالأمس دخلت فلاجيو الساعة الـ ٨:٣٠ مساءً، حزنت لخلوِّه من روَّاده، حيث كان في مثل هذا الوقت يمتلئ بالناس، تذكرت بيتًا شعريًا قديمًا، كانت والدتي رحمها الله تردده دائمًا على مسمعي، فعلًا شعرت بصدق معناه:

‏أحسب عمار الدار يا زيد جدران

‏ وأثر عمار الدار يا زيد أهلها»

مشهد عادَ لي بالذاكرة لحادثة رسخت في ذهني رغم بساطتها، صديق لي من عاصمة خليجية يحدثني عن متغير اجتماعي رصده بعد الطفرة المالية، يقول: إنَّ لديه مكتبًا تجاريًا في منطقة راقية، في يوم من أيام الربيع ومع تحسن الجو مشى بالمنطقة يصف لي المشهد، ليقول: قصور شاهقة ولكنها مغلقة، هدوء غريب وموحش، أبواب المنازل لا تفتح إلا لساكنيها، صمت مطبق يخيل لي أحيانًا أنه لا وجود للبشر في هذا الجزء من المدينة، ثم يردف ويقول: إنَّني أعرف والد أحد هؤلاء السكان، وأتذكرُه منذ سنوات عديدة بمنزله البسيط يفرش السجادة في فناء بيته، ويفتح الباب على مصراعَيه، يصيح لكل مار بصوته الجَهْوَرِي لدعوته للدخول عليه والتناول من قهوته وطعامه، رغم محدودية إمكاناته، حينها إلا أن مائدته تبسط للقاصي والداني، مجلسه البسيط عامر بضجيج الناس، ثم يعقب: جاءت الثروة وانعزل البعض، يمتلكون الفخامة ولكن لا حياة إلا لأنفسهم، لينهي بكثير من الشجن قائلًا: هناك من يعطيه الله ويأبى إلا أن يحرم نفسه من لذة جميلة.

من كتاب «المستطرف» أذكر هذه القصة، شخص اسمه مالك بن دينار، مرَّ في طريق سفره على قصر، استقبله سكانه ببشاشتهم وأحسنوا إكرامه ووفادته، تصادف أن لديهم فرحًا، سمع الجواري وهن يغنين على قرع الدفوف:

ألا يا دار لا يدخلك حزن

ولا يغدر بصاحبك الزمان

فنعم الدار تؤوي كل ضيف

إذا ما ضاق بالضيف المكان

جمال الحياة بالناس ذلك ما رصده مالك، غادر في طريقه وبعد سنوات عاد لنفس المكان وجده خربًا، بنيانه يتداعى أمام عوامل الطبيعة، ليس ببعيد عن القصر شاهد عجوزًا ترعى أغنامها، حدثها عن ذلك الحفل، وسأل عن الساكنين؟، لتقول له كلمة معبرة: يا عبد الله، إنَّ الله يغير ولا يتغير والموت غالب على كل مخلوق، وقد والله دخل بها الحزن وذهب بأهلها الزمان.

قصة حزينة ومعبرة، يرويها شاهد عيان لمشهدين متناقضين، الفرح والحزن، الصخب والسكون، العمران والخراب، بدا له التغير فجأة ودون تدرج، السنوات الطويلة أضحت لحظة، شاهد منزلًا حيًا بأهله ينعمون بالسعادة، ليغمض عينه ويرتد طرفه ليشاهد بقايا هدم بعد أن غادر ساكنوه، نعم الإنسان هو روح الحياة، سجاياه السامية تبقى حين يغادر.

مهما بلغت القصور من الفخامة من دون أهلها تصبح تفاصيل من البناء فقط، حقيقة نتذكرها دائمًا وتأتي وقائع الأيام لتؤكد ذلك، الإنسان يضيف الجمال الحقيقي على مكان معيشته، في الحياة الممتدة نتذكر مشاعرنا من السعادة، ونحن نتوجَّه لمنزل يجذبنا إليه طيب أهله وسعة صدورهم، كيف يكون حالنا إن مررنا عليه وقد غاب ساكنوه؟، بالتأكيد مشاعرنا لن تسمح لنا إلا بمرور عابر يغلبنا فيه الكثير من الحزن، من كنا نسابق الريح للذهاب له هو نفس المكان الذي أصبحنا نتجنَّب المرور بجانبه حتى لا تنهكنا ذكرياتنا بإحضار أوجه غابت، تقول الشاعرة القطرية (وضحى العرب) في أبيات معبرة جدًا ومبدعة تصف بدقة مثل هذا الواقع الحزين:

أثر البيوت بدون أهلها ولا شي

يجلب محبتها غلا من سكنها

في ما مضى نشفق على البيت والحي

واليوم لا مريت صديت عنها

أصابت كبد الحقيقة، فعلًا وحقيقة لا تتغير، «البيوت بدون أهلها ولا شيء»، أسأل الله العمران لمنازلكم بكم، وألا ينقطع عنها ضجيج الناس.

Twitter:khalifa624

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X