fbpx
كتاب الراية

همسة ود …. ما خاب من استشار

الاستشارة هي فن استخدام العقول فلا تتردد في استشارة من تثق بهم

ﻓﻲ أواﺋﻞِ القرن اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻓﻲ اﻟﻐﺮبِ اﻷﻣﺮﻴﻛﻲ اﺷﺘﺮى رﺟﻞٌ أرضًا ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﻳﻘﺎل إﻧﻬﺎ مملوءة ﺑﺎﻟﺬﻫﺐ، ثم اﺷﺘﺮى ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ آﻟﻴﺎت ﺑﺴﻴﻄﺔ وبدأ اﻟﺤﻔﺮ ﺑﺤثًا ﻋﻦ اﻟﺬﻫﺐ، وﺑﻌﺪ ﻋﺪة أﻳﺎم ﻋﺜﺮ ﻋﻠﻰ ﻋﺮق ذﻫﺒﻲ ﻓﻲ اﻷرض، ففرح اﻟﺮﺟﻞ، وﻗﺎل: ﻫﺬه ﻫﻲ اﻟﺒﺪاﻳﺔ.

وفعلًا اﺳﺘﻤﺮَّ ﺑﺎﻟﺤﻔﺮ، وﻫﻮ يلاﺤﻖ اﻟﻌﺮق اﻟﺬﻫﺒﻲ ووﺟﺪ اﻟﻌﺮق ﻳزداد سمكًا وﺗﺸﻌبًا، فأدرك أن أرﺿﻪ مملوءة ﺑﺎﻟﺬﻫﺐ، فقال ﻟﻨﻔﺴﻪ: ﻻ ﺑﺪ من أن أﻃﻠﺐ اﻟﻤﺴﺎﻋﺪة، ثم قام بدفن المكان الذي حفره، وﻋﺎد إﻟﻰ ﺑﻠﺪﺗﻪ، وأﺧﺒﺮ ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ وﺑﺎعَ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻟﺪى اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ، وﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻌﻮدة اﺷﺘﺮى اﻟﺮﺟﻞ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻠﺰم ﻣﻦ آﻟﻴﺎت وﺑﺪأ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﻊ أﻓﺮاد ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ.

وﺑﺪأ اﻟﺬﻫﺐ ﻳﺨﺮج ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﻞ ﻳﻮم أﻛﺜﺮ، ولكن ﺟﺎء اليوم الذي ﺑﺪأت ﻛَﻤﻴﺔ اﻟﺬﻫﺐ فيه ﺑﺎﻟﻨﻘﺼﺎن، وﺑﺪأت اﻟﻌﺮوق بالاختفاء، حينها أدرك اﻟﺮﺟﻞ أنَّ اﻟﺤﻔﺮﻳﺎت ﺳﻮف ﺗﻨﺘﻬﻲ؛ ﻷن اﻟﺬﻫﺐ ﻗﺪ ﻧﻔد.. ﻓﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻨﻪ إﻻ أن ﺑﺎع ﻛﻞ ﺷﻲء ﻣﻊ اﻟﻤﻨﺠﻢ ﻟﺸﺨﺺ ﺑﺴﻴﻂ وﺑﻤﺒﻠﻎ زﻫﻴﺪ.

وﻋﺎد ﺑﻤﺎ ﺟﻤﻌﻪ ﻣﻦ ذﻫﺐ ﻣﻊ ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ.

اﻟﺸﺨﺺ اﻟﺬي اﺷﺘﺮى اﻟﻤﻨﺠﻢ ﻟﻢ ﻳﻘﺘﻨﻊ أن اﻟﻤﻨﺠﻢ ﻗﺪ ﻧﻔد فيه الذهب، وﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺘﺄﻛﺪًا.. ﻟﺬا اﺳﺘﺪﻋﻰ ﺧﺒﻴﺮًا ﺟﻴﻮﻟﻮﺟيًا ودﻓﻊ ﻟﻪ ﻣﻘﺎﺑﻞ التقرير الذي طلبه أن يقدمه له بناءً على خبرته في معرفة أماكن وجود الذهب، وأن يطلعه على أﻣﺎﻛﻦ وﺟﻮد اﻟﺬﻫﺐ ﻓﻲ أرﺿﻪ.

اﻟﺨﺒﻴﺮ قام بدراسة وافية للحفريات اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ وﻧﻮﻋﻴﺔ اﻟﺘﺮﺑﺔ، ﺛﻢ ﻗﺎل ﻟﻠﺮﺟﻞ:

ﻋﺮوق اﻟﺬﻫﺐ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻟﻢ ﺗﻨﻔد وإﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺪ ﻧﺼﻒ ﻣﺘﺮ، ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻨﺎك اﻧﻬﺪام وﻫﻮ السبب الذي ﺟﻌﻞ ﻛﻞ اﻟﻌﺮوق ﺗﺨﺘﻔﻲ.

ﺣﻔﺮ اﻟﺸﺨﺺ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺪ ﻧﺼﻒ ﻣﺘﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬي ﺣﺪده ﻟﻪ اﻟﺨﺒﻴﺮ ووﺟﺪ ذﻫبًا أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ وﺟﺪ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻤﻨﺠﻢ اﻷول ﺑﻌﺸﺮات اﻷﺿﻌﺎف، وعندما ﺳﻤﻊ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻤﻨﺠﻢ اﻷول ﺑﺎﻟﻘﺼﺔ ﻋﺎد إﻟﻰ اﻟﻤﻜﺎن ﻟﻴﺮى ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺧﻴﺒﺘﻪ.

ﻋﻨﺪﻣﺎ رآه ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻤﻨﺠﻢ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﺗﻮﺟﻪ إﻟﻴﻪ وسأله إن كان نادمًا فقال له: لا لست نادمًا، ولكني ﺟﺌﺖ ﻟﻜﻲ أﺗﺬﻛﺮ دومًا أﻧﻨﻲ وﻗﻔﺖ ﻋﻠﻰ ﺑُﻌﺪ ﻧﺼﻒ ﻣﺘﺮ ﻣﻦ ﺛﺮوة ﻋﻈﻴﻤﺔ، وﺗﺮﻛﺖ ﻫﺬه اﻟﺜﺮوة ﻷﻧﻲ اﺳﺘﺴﻠﻤﺖ ﻋﻨﺪ أول ﻋﻘﺒﺔ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻲ.

ﻫﺬه اﻟﻌﻘﺒﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎن ﻳﻤﻜﻦ أن أﺗﺠﺎوزﻫﺎ ﻟﻮ اﺳﺘﻌﻨﺖ ﺑﺮأي ﻣﻦ ﻫﻮ أﻋﻠﻢ ﻣﻨﻲ.

من هذه القصة نستخلصُ أنَّ الاستشارة هي فن استخدام العقول، فبدلًا من أن تفكر بعقل واحد يمكنك أن تفكر بعدة عقول، فلا تتردد في استشارة من تثق بهم وبرأيهم، فالاستشارة عملية أخذ الأفكار والآراء من قبل الأشخاص الآخرين ممن يمتلكون خبرة في مختلف نواحي الحياة؛ لأنَّ كل إنسان قادر على أن يرى ما لا يراه غيره من الناس، وذلك يعمل على تكوين صورة كاملة حسنة وجيدة توصل إلى قرار صحيح وصائب في نهاية الأمر، كما أنَّ الاستشارة تجعل الإنسان يستفيد من تجارب غيره، دون أن يمرَّ بمثل هذه التجارب التي قد تكون مؤلمة في بعض الأحيان. كذلك فإن الاستشارة تنمي التعاون الاجتماعي بين الناس، وتتيح للإنسان النظر دائمًا في قراراته، وتساعده على اتخاذ القرارات الصائبة بعد التفكير العميق، حيثُ لا تسمح الاستشارة بالشعور بالندم بسبب اتخاذ قرارات خاطئة، بل توسع تفكيره وترفعه إلى الكمال، وتعمل وبشكل كبير جدًا على أن تصقل شخصيته وتجعله يوازن بين الأمور ويعطي وجهة نظر ثقيلة، بناءً على معلومات حقيقية وليست لمجرد إعطاء وجهة نظر فقط دون أن يلتفت إليها أحد.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X