fbpx
كتاب الراية

 ما بين السطور.. انتظار

يزرعنا الانتظار في مراعيه وحقوله الدامية .. ليسقينا من قطرات الوعود

حياتُنا من البدايةِ وحتَّى النهايةِ، مشحونةٌ بلحظات الانتظار التي لا تنتهي..

ننتظر اللحظة التالية.. ننتظر الغد المجهول.. ننتظر ذلك الآتي من البعيد.. ننتظر الفرج..

ننثر بذور الفرح والأمل في الصحراء القاحلة.. وننتظر أن تنبتَ لنا في اللحظات التالية مزارعٌ ومراعٍ خضراء.. تحتضن القاصي والداني على حد سواء..

ننتظر كثيرًا أمام البوابات المغلقة.. والمعلقة عليها لوحات وإرشادات تُنَبِّئُنا بمواعيد الدوام والافتتاح ومواعيد العمل المفروضة.. لكننا نبقى منتظرين..

ننتظر الصغير ليكبر بسرعة.. والكبير ليسعد.. والسعادة لتطرق لنا قلوبنا وأفئدتنا على الدوام.. دون انتظار لجزاء.

ننتظر النهار في وسط حلكة الليالي المظلمة.. وننتظر الليل في وسط اغتراب النهار الموحش والكئيب..

ننتظر نهاية العام الحالي منذ اللحظة الأولى لبدايته .. لأننا نخشى ألا يحمل معه إلينا هالات الفرح والأمل والنور .. التي نسعى دائمًا لنيلها والحصول عليها أينما كانت .. وأينما حلت..

في كل ليلة وقبل أن ننام .. ننتظر أن تحن علينا ملائكة المنام، فتغرقنا في لجته بأسرع ما يمكن .. وتحملنا معها عبر الريح وعبر الحلم .. إلى أقصى بقاع السعادة والأمل .. بعد أن تغسلنا في بحر النسيان .. وتغسل معها همومنا التي تراكمت علينا من الليالي السابقة ..

الانتظار قدرنا الذي نولد به.. ونسجله معنا في شهادات ميلادنا.. ويوم حصولنا على أسمائنا المنتقاة لنا دون استشارتنا .. ونحمله فوق جباهنا منذ الصيحة الأولى لنا .. ومنذ النسمة الأولى التي نحاول بها قهر الخوف وقهر الألم .. وقهر الانسلاخ من عمق الرحم .. وعمق الحب والعطاء ..

بانتظار لحظات النمو والبلوغ والرشاد .. بانتظار قبلة الأب الحاني ويده العاطفة على رؤوسنا .. بانتظار بسمة الأم واحتضانها لنا في لحظات اشتياق دائمة.. بانتظار كلمات التبشير والدعوات الجميلة الصادرة من القلوب التي تحمينا وتحارب العالم كله من أجلنا.. بانتظار الورقة التي تفطمنا عن البيت والعائلة والأسرة .. والتي تهيئ لنا قلوبًا أخرى لتحتوينا .. وعيونًا ثالثة لتسهر علينا .. وصناديق أخرى لتضمن لنا المعيشة بكرامة وعزة واستقلالية ..

قبل الرحيل ننتظر لحظات الانطلاق والطيران .. ثم ننتظر لحظات الوصول وتقبيل العجلات الطائرة لوجه الأرض الحاضنة لنا .. بعد لحظات من الخوف والقلق والترقب الذي لا ينتهي .. ثم لا نلبث أن نتهيأ لانتظار العودة من جديد .. وكأننا نولد من رحم الانتظار .. لنظل طول العمر متشبثين ببقايا الحبل السري الذي يربطنا به دون انقطاع ..

الانتظار داء من لا داء له .. يحمله معه عبر شرايينه الداخلية .. لتسير في خلاياه الناطقة .. وتتخفى بين أوردته وحباله العصبية .. منتجة بين مسيرتها الطويلة .. آلافًا من العلامات الدالة على خريطة سيرها .. وانطلاقتها .. حتى نتمكن من تقصيها .. وسبر مراحل تقدمها ما بين الشعيرات الرقيقة جدًا .. وآلاف القنوات المنتظرة لوصولها، بدءًا من نبضات القلب .. إلى زفرات الهواء الخارج من الأعماق ..

يزرعنا ذلك الانتظار في مراعيه وحقوله الدامية .. ليسقينا من قطرات الوعود والآمال والترقب .. ثم يحصدنا سنابل خاوية إلا من الخوف والرعب والقلق .. ليلقينا في مطاحن الهم والسهد .. تصهرنا بكل ثقلها .. وتحولنا إلى مجرد فقاعات من الهواء المنهزمة مع أول لمحة ضوء .. أو أول نسمة رياح ..

لماذا الانتظار ..؟؟ ولماذا لا تقدم لنا الحياة ماءنا وهواءنا وهناءنا على أغصان الأشجار الباسقة من حولنا ..؟؟ والتي ترويها دماؤُنا وسنوات الترقب والفناء ..؟؟

لا أمل …. مع كل ذلك سوف نظل على الأرصفة المزدحمة ننتظر في كل لحظة .. وكل ثانية .. ونأمل ألا يطول هذا الانتظار.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X