fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. الحماية المبالغ فيها لكبار السن

تعويد كبار السن على النشاط الحركي والذهني والمشاركة الاجتماعية

أوصانا دينُنا الحنيفُ بالعنايةِ بكبارِ السنِّ، وهذا أمرٌ مسلمٌ به ولا خلافَ عليه، لكن موضوعنا هذا لا يمسُّ هذا الجانب الإنساني المستحق شرعًا وعرفًا لكبار السن، إنما الذي نريد التركيز عليه هنا هو ذلك الاحتفاء بكبار السن الذي يعيقهم عن القيام بممارسة حياتهم الطبيعية، ويحيلهم إلى عالة على مَن حولهم، عندما تكون المبالغة في تعطيل حراكهم الطبيعي في الممارسات الحياتية العادية، من خلال تعويدهم على عدم القيام بأي جهد عضلي أو فكري، ما قد يؤدِّي إلى تعطيل الأعضاء التي تقوم بهذه المهماتُ في جسم الإنسان، وكثيرًا ما نرى بعضَ النَّاس يرفضون أن يقومَ كبارُ السن لديهم بأي جهد، حين يسارعون إلى تنفيذ أقل الاحتياجات التي يستطيع كبير السن القيام بها، وفي ذلك تعويد له على الكسل وقلة الحركة، وقلة الحركة تعني عدم تمرين أعضاء الجسم على مزاولة نشاطها الطبيعي، مع أنَّه قد يملك كل القدرات التي تمكنه من القيام بذلك.

بعضُ كبار السن كثيرًا ما يستمرِئون هذه الخدمات التي تقدم لهم من قبل أقربائهم أو أصدقائهم، غير مدركين الضررَ الذي يترتب على ذلك، وما من عاقل يقبل بأن يتحول إلى عالة على غيره وهو في كامل صحته الجسدية والفكرية، والأَوْلى أن يقوم شخصيًا بكل الأمور التي يحتاج لها ما دام قادرًا على القيام بها، لا أن يتَّكل على غيره مع قدرته الذاتية على القيام بواجباته المعتادة.

وفي حالات التدخل لتعطيل قدرات كبير السن بواسطة المساعدة المباشرة من الغير دون الحاجة لذلك، كما في حالات طلبه المساعدة ممن حوله للقيام بأعمال هو قادر على القيام بها، فإن النتائج السلبية في الحالتين تؤدي حتمًا إلى الضرر من حيث استهداف النفع، فالمبالغة في العناية بكبير السن يجب ألا تصل إلى درجة المبالغة في هذه العناية بحيث تعطل القدرات الحقيقية لديه، والأَولى أن يعتمد على نفسه ما دام قادرًا على ذلك، أما إذا لم يكن قادرًا على ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله، وهنا تصبح العناية به أمرًا لا مفرَّ منه، وفي النهاية تظل هذه العناية مقتصرة على الأمور التي لا يستطيع القيام بها، ولا شك أن دوافع مساعدة كبار السن هدفها نبيل، تستجيب لما يفرضه الواجب الديني والإنساني، لكن أسلوب الأداء يحتاج إلى تفكير عميق في النتائج، فكل حالة من حالات كبار السن تقتضي أساليب معينة تُراعى فيها النتائج وَفق معطيات هذه الحالة وحاجاتها وقدراتها الذاتية.

هذا الأمر لا يقتصر على الأفراد القريبين من كبار السن سواء كانوا أقرباء أم أصدقاء، ولكنه أيضًا يمتد لمراكز العناية بكبار السن التي تضع برامجها وَفق الحالات المتوفرة لديها، بحيث تستفيد هذه الحالات من تحقيق نتائج تعود عليها بالفائدة، من خلال التدريب على إنتاج بعض الأعمال المناسبة لقدرات وهوايات المسنين، وتعويدهم على المشاركة الفعلية فيما يجري حولهم من ممارسة ناشطة للحياة، ليكونوا مؤثِّرين فيها لا عالة عليها، والمحصلة النهائية لكل ذلك هو تنشيط حركة المسن وتطوير قدراته، والاستفادة من تجاربه ليكون منتجًا في حدود قدراته الجسدية والعقلية، بدل تعويده على الاتكالية من خلال الاتكاء على جهود الآخرين، ليس ذلك فقط، بل قد تصل هذه الاتكالية إلى التعود على طلب المساعدة في أمور من السهل أن يقوم بها كبير السن نفسه، لكنه يحجم عن ذلك بسبب تعوده على وجود من يقوم بها من أجله.

المعروف أنَّ الأعضاء التي لا تستخدم تتعطل، حين يصيبها الترهل والضمور والعجز عن القيام بوظائفها الأساسية، وهذه الأعضاء هي المكوِّنات الطبيعية للإنسان جسدًا وعقلًا، ما يعني ضرورة تعويد كبار السن على النشاط الحركي والذهني، وإتاحة الفرص لهم للمشاركة في النشاطات الاجتماعية، دون الاعتماد على غيرهم في كل صغيرة وكبيرة.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X