fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك …. خَمِيرة الكِتابة (1/2)

أنْ تكون كاتبًا مُتميِّزًا يعني أنْ تكون لك بصمتُك المُميَّزة

ما يُميِّز كاتِبًا عن سِواه أسلوبُه، فنحن حينَ نقول إنَّنا نُحبُّ أشعار فُلانٍ أو كتابات علَّان، فنحنُ دون أنْ ندري نقول إنَّنا نُحبُّ أسلوبَه، وإلَّا فإنَّ هذا الَّذي أحببْناه لم يأتِ بما لم يأتِ به الأوائلُ، ولا اخترعَ غير موجود، فلقد كتبَ في مواضيع طرقها جمهرةٌ واسعةٌ من الكُتَّاب قبله، لقد كتب في الغزل أو الوطن أو المدح أو الهِجاء أو الرِّثاء أو الوصف أو غيرها، وهي موضوعات سبقه إليها مِئاتٌ أو آلافٌ مِمَّن تقدَّموه، لكنَّ غزلَه أعجبكَ أكثر مِنْ غزل غيره، ورثاءَه أحزنكَ وأشعركَ أكثرَ منْ رثاءِ غيره، وحتَّى هجاؤُه لامسَ مواضع مُظلِمة في نفسِكَ فأضاءَها ولم يفعل غيره ما فعل. فما الَّذي حدث وسبَّب هذا الميل إلى هذا دون سِواه؟ إنَّه الأسلوب. فالأسلوب هو الرّجل كما قال النَّاقد الفرنسيُّ (تين).

لا يُمكن أنْ يكون الأسلوب في أرقِّ نَظمِه وأرقى سَبْكه وأدقِّ نَسجه ما لم تكنْ لدى صاحبه ثروةٌ معرفيَّة ولُغة خاصَّة ينفرد بها تشكَّلتْ عبر سنواتٍ طوال بوسائل شَتَّى، أُطلقُ أنا عليها لفظ (خميرة الكتابة)!

إذا أردتُ أنْ أتوقَّف عند فكرة اللُّغة الخاصَّة الَّتي هي شكل التَّعبير عن الفكرة الَّذي هو الأسلوب عند عددٍ من كبار الكُتَّاب والشُّعراء، فإنَّني سأكون أكثر إقناعًا حينَ أطلبُ منكم أنْ تتخيَّلوا ما مَيَّز كلًّا من الآتِين: الجاحظ، المتنبي، نزار قبَّاني، سيكون هناك أكثر من شيءٍ، ولكنَّ اللُّغة الَّتي تميَّز بها كُلُّ واحدٍ منهم ستكون في المقام الأوَّل في التَّرتيب؛ ولغة الكاتب بَصمتُه، فنحنُ اليوم نعرفُ بمجرَّد السَّماع للبيت بأنَّ قائله المتنبِّي، لأنَّ لغته هي لغة المتنبِّي، وبالتَّالي هي بصمته. ونحن كذلك نعرف حينَ نسمعُ جملةً بأنَّ قائلَها هو الجاحظ، لأنَّها لغته، وبالتَّالي بصمتُه. وإذًا، فإذا أردتَ أنْ تكون كاتبًا مُتميِّزًا فعليكَ أنْ تكون لك لغتك الخاصَّة وبصمتُك المُميَّزة، والَّتي لا تتأتَّى بسهولة، ولكنْ بالَّذي أطلقتُ عليه خميرة الكاتب، والَّتي لا تتشكَّل عبر ليلةٍ وضُحاها، إنَّها تعبُ عقودٍ من السَّنوات، وحفرٌ عميقٌ في صخر المفردات، فهل وعيتَ ما ذهبتُ إليه؟!

الحفظُ الَّذي بدأ معي منذُ الخامسة يُمكن أنْ يكون أولى هذه الخمائر، فلا تُهمِلوا شيئًا كهذا يوقظ الذَّاكرة ويزيد المعرفة، لقد كان لآلاف الأبيات الَّتي أحفظُها والَّتي تتصارع في عقلي إسهامًا كبيرًا في صُنع هذه الخميرة، فلكلِّ شاعرٍ حفظتُ له أسلوبُه، ولكلِّ شاعرٍ طريقتُه ولغتُه… أمَّا أنا فكوَّنتُ أسلوبي من هذه الأساليب مُجتمِعة، ولغتي من هذه اللُّغات كاملة، تستطيع أنْ تقول أنا فُسيفِساء في الأسلوب واللُّغة من كلِّ أحدٍ، لكلِّ واحدٍ مُربَّعه الصَّغير المُلوَّن في هذه اللَّوحة الَّتي تضمُّ آلاف المُربَّعات!

لم يكنِ الحفظُ ليصنع الخميرة العجيبة لديَّ وحده، لولا ذلك التّرنّم بما أحفظ، وخاصَّة بالقرآن والشِّعر. لي مع القرآن قِصَّة طويلة، لن أتحدَّث عمَّا حفظتُه منه، بل عمَّا مَوْسَقَني منه؛ أعني إيقاعَه، تَناغُمَه، جُملته الطَّويلة والقصيرة، نهايات آياته، تقديمه وتأخيره، الكلام المسكوت عنه، المحذوف فيه أكثر من المُثبَت، لقد مضى القرآن ليقول ما لم يقلْ أكثرَ مِمَّا قال. التَّوكيد الَّذي فيه، كان توكيد المفعول المُطلق أكثر أنواع هذه التَّوكيدات عملًا في ضلوعي وروحي، كانتْ نهاياتُ المُطلَق في: «ورتِّل القرآن ترتيلًا». و»كلَّمَ الله موسى تكليمًا». «وكلَّ شيءٍ فصّلْناه تفصيلًا». و»ولا تُبذِّرْ تبذيرًا» تُشكِّل شيئًا غامِضًا أحاول أنْ أقوله في هذه الكلمات ولا أجدُ له تفسيرًا.

يُتبَع…

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X