fbpx
المنتدى

لباس المرأة المصرية.. صخب لا يتوقف!

اللباس والأكل ونوعيته يدخل ضمن ثقافة المجتمع وتطوره

بقلم /سليم عزوز ( كاتب وصحفي مصري )

 

 

لا يجيدُ المُثقفون في العالمِ العربي، وأشباهِهم، سوى العزفِ على الأسطوانات المشروخة، ومن بين هذه الأسطوانات لباسُ المرأة المصرية!
يفتعلون السياقَ الذي من خلاله يستدعون فيه صورًا قديمةً لفتيات في الجامعة، أو نساء يسرْن في الشوارع، أو موظفة هنا أو هناك، يرتدين الملابس القصيرة، وهم يجدون ضالتهم في التأكيد على صحة ما يقولون باستدعاء حفلات أم كلثوم، وللتدليل على أن التحول الذي جرى، وصار اللباس المعتمد هو الحجاب أو النقاب، هو نتاج غزو صحراوي نتيجة العمل في دول الخليج، وفي المملكة العربية السعودية تحديدًا!
عندي عدة ملاحظات، بعضها مرتبط بالشكل، وأخرى ارتباطها الوثيق بالموضوع!
فاللباس والأكل ونوعيته إنما يدخل في الأصل والفصل ضمن ثقافة المجتمع وتطوره ولهذا تندرج تحت باب الأنثروبولوجيا الثقافية، وحتى الجلباب الصعيدي تطور في الشكل على مر السنين، وإذا كان الصغار والمتعلمون يرتدون ما يُسمى بالجلباب الأفرنجي، فهذا الجلباب تطور في حياتي، من «اللياقة» الكاملة التي تشبه الجلباب القطري، إلى النصف لياقة التي تشبه الجلباب السعودي، ولم يكن أحد في بلدنا قد سافر للخليج، ومن سافروا كان سفرهم إلى اليمن أو أبو ظبي، وكنا نجد صعوبة شديدة في نطق الاسم «أبو ظبي» عندما سافر جارنا المُعلم إلى هناك في إعارة، ولم يأتِ معه بجلباب القوم ليخترق به استقرارنا!
ثم إنَّ الحجاب وإن ارتبط بما سمي بالصحوة الإسلاميَّة في السبعينيات والتي بدأت في الجامعات وعرفت الطالبات معها الحجاب، لم يكن أحدٌ من رموزها قد سافر إلى أبعد من أسيوط أو القاهرة للدراسة، حتى يصبح الحجاب نتيجة لغزو من جهة ما، ولم يكن الحجاب الذي انتشر له صلة بزي المرأة في السعودية أو في الخليج عمومًا.
إنَّ نظرة عاقلة للأمور، ستنتهي بنا إلى التأكيد على أن الملابس القصيرة، فوق الركبة أو تحتها بقليل، لم تكن زيًا مصريًا، حتى ينطلق للدفاع عنها تيار الاستقلال الوطني، الذي يختزل استقلال بلاده في ضرورة التصدي للتأثير السعودي في ملابس المرأة، فهذا الزي هو زي التأثر بالغزو الأجنبي لمصر، وكان الأسرع للتأثر هم الطبقة الراقية، فحفلات أم كلثوم لم يكن يحضرها أيٌّ من أجداد المثقفين الجدد في هذا الوقت، ولم تكن السفيرة عزيزة على قمة سلالتهم النقية!
وكان طبيعيًا أن تتأثر المرأة المصرية بثقافة الغزو الأجنبي وحضور الأجانب لمصر، لاسيما أنه لم تكن لديها ثقافة الخروج للعمل والتعليم، فكانت لا تغادر بيتها إلا في الشديد القوي، وهي إن خرجت تخرج محتشمة، وفي مجال الثقافة فإن التأثر والتأثير أمران واردان، فكما لم يعد هناك عرقٌ نقيٌّ، فلا وجود لثقافة نقية، وكان ينبغي أن توضع الأمور في نصابها الطبيعي، فاللباس حرية شخصية، فترتدي الحجاب من تريد، وترتدي النقاب من تفعل، وترتدي الملابس الأفرنجية من تشاء، لأن الحديث عن الغزو الصحراوي وتأثيراته سيضع المتحدثين عنه في أزمة حقيقية، إذا عدنا بعَجَلَة الزمن للوراء إلى زمن قبل الاحتلال الأجنبي أو التأثر به!
في كتاب مهم صدر في القاهرة عن مكتبة مدبولي، يمكن لمن يقرؤُه أن يتصدى لهؤلاء المتطفلين على الثقافة بثقة دون ضجيج أو تبادل اتهامات!
الكتاب عنوانه «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم: مصر ما بين 1833 -1835»، لمؤلفه إدوار وليم لاين!
والمؤلف فتى إنجليزي ولد في عام 1801، في إنجلترا، ووالده كاهن كاثوليكي، وقد أرسلته والدته للتعلم في جامعة كامبريدج، على أمل أن يلتحق بمهنة الأب، لكن سرعان ما ترك الدراسة، ولحق بأخ أكبر له في لندن، حيث كان يعمل في مجال الطباعة الحجرية والنقش، وانكب في الوقت نفسه ينهل من منابع اللغة العربية، وقد أصيب بحمى تركته عليلًا سقيمًا، فقد جاء لمصر طلبًا للشفاء في نهاية عام 1825، فواصل دراسة اللغة العربية، وعقد العزم على دراسة طبائع المصريين، وارتدى زيهم التقليدي، حتى خاله العامة تركيًا، وتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي وأحكام الشريعة، واختلط بالناس وعاش في وسطهم، واتخذ لنفسه اسمًا عربيًا، وترك كل عادات الفرنجة فلم يعد يستعمل الشوكة والسكين عند تناول طعامه، فاكتسب ثقة المصريين ونسوا أن لاين ليس واحدًا منهم، وانشغل بدراسة متأنية لدراسة عادات المصريين وسلوكهم، فكان هذا العمل الكبير!
فيقول في مؤلفه هذا: «لا تخرج النساء مطلقًا إلى الخارج إلا إذا اضطرتهنَّ الظروف للخروج إلى مكان قريب، فيمشين في الشارع مشية متثاقلة …» ولا تراهن قط خارج منازلهن ليلًا إلا إذا اضطررن للخروج والعودة في حالات الضرورة القصوى..» ولا تخرج نساء الطبقة الغنية قط إلى المتاجر لشراء حاجياتهن بل يرسلن في طلب ما يحتجن إليه، وتكثر الدلَّالات اللواتي يَسمح لهن بدخول الحريم، فيحملن معهن كل أنواع الزينة والحلي لبيعها..»
وفي فصل خاص عن لباس المرأة المصرية في هذه المرحلة يقول لاين: «تعرف ملابس التجوال عند الركوب أو المشي بالتزيرة..».
ومثلي عاصر «التزيرة» هذه، وهي أقرب إلى الشادور الإيراني، ويضيف لاين بعد وصفه لملابس الخروج هذه فينتقل إلى «البرقع المتمثل بشقة طويلة من الموسلين الأبيض تغطي الوجه برمته عدا العينين وتكاد تلامس القدمين. يعلق البرقع في جبهته العليا بشريط ضيق يمر فوق الجبهة ويعلق كما الحال بالنسبة إلى طرفَي الحجاب العلويَين بعصابة مشدودة حول الرأس».
وهو يتحدث عن نساء الصعيد، فيقول: «فنادرًا ما يضعن البرقع على وجوههن… وبدلًا من البرقع تغطي النساء عند الضرورة وجوههن بجزء من الطرحة، فيخفين بذلك سمات المحيا ويتركن عينًا واحدة مكشوفة…» وإن كان لاين ذكر أن النساء من الطبقة الفقيرة لا يغطين وجوههن على الإطلاق.. فغطاء الوجه يرتبط بنساء الطبقة الغنية أو الطبقة المتوسطة!
فمتى يتوقفون عن العزف على الأسطوانة المشروخة؟!

[email protected]

 

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X