اخر الاخبار

يوم عرفة..وقفة إيمانية مهيبة أملا في “شهادة ميلاد” جديدة

الدوحة – قنا :

بدأ حجاج بيت الله الحرام منذ شروق شمس هذا اليوم “التاسع من ذي الحجة” في التوافد من مشعر منى، بعد قضاء يوم التروية، إلى صعيد عرفات الطاهر لأداء الركن الأعظم من الحج في رحلة إيمانية مهيبة تظللهم رحمات الخالق وعناية الرحمن.
وقف ضيوف الرحمن متجردين من زينة الدنيا أتوا “شعثا غبرا” يرفعون أكف الضراعة يرجون الرحمة ويتعلقون بأمل القبول والعفو من خالق الأرض والسماء.


وإذا كان صيام يوم عرفة للجالس في بيته يكفر سنة قبله وسنة بعده فإن الواقف على هذا الصعيد الطاهر يهبط منه بـ”شهادة ميلاد” جديدة، و”كتاب” خال من الذنوب والمعاصي والآثام.. وإذا كانت ليلة القدر عظمها الله بنزول القرآن فيها فإنه سبحانه أكمل في يوم عرفة الملة، وأتم به النعمة ويباهي الملائكة بأصحابه.
ويوم عرفة موسم للخيرات ومنافع الناس ووقت للطاعات والذكر، ويوم عيد لأهل الموقف.. تتكاثر فيه الحسنات وتكفر فيه السيئات.. فضّله الله على كثير من أيام العام وجعل فيه نفحات ربانية لعباده فالدعاء فيه أفضل الدعاء والعتق من النار فيه أكثر من أي يوم آخر..


الدكتور تركي عبيد المري أستاذ الفقه وأصوله بكلية الشريعة جامعة قطر أوضح أن يوم عرفة هو الشعيرة الأكبر في هذه المناسبة الدينية العظيمة رغم أنه لا يتضمن أي أعمال بدنية سوى الدعاء لأن الحجيج تجمّع في مكان واحد كبحر فائض من الإنسانية التي لا يمكن تمييزها.. يرتدون ثيابا واحدة رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم وأعراقهم.. أياديهم ممدودة، رؤوسهم “شعثاء” وملابسهم “مغبرّة” تتوسل لقبول توبتهم، وعفوه، ومغفرته، ورحمته، ودخول جنته في مشهد يذكر بوقوف البشرية أمام الله يوم المحشر حين يجأر الناس بالدعاء إلى الله تعالى ليخفف عنهم ذلك الموقف حتى يشفع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ليفصل الله بين العباد.
وتابع بأن الله يباهي الملائكة بعباده الذين أتوه شعثا غبرا وليس في أبهى حلة وأجمل صورة لأن هذا الموقف مقام تعبد يقتضي التذلل وإظهار الافتقار إلى رحمة الله ورضوانه وليس موضع مباهاة بالزينة ونعم الله على عباده، مضيفا أن هذا اليوم يتذكر فيه ضيوف الرحمن حاجتهم وفقرهم لله تعالى متجردين من ثيابهم يرتدون ملابس تشبه الأكفان.. متنزهين عن الترف وكل ما يربطهم بالنعيم الدنيوي وحياتهم الرغيدة، وكلما قضوا منسكا من مناسك الحج شعروا بارتياح كبير وسعادة روحية في نموذج مصغر لبعض مواقف الآخرة.
وعن صحة الحج لمن خرج من حدود صعيد عرفات أكد أستاذ الفقه وأصوله بجامعة قطر أن على كل واقف بعرفة نهارا أن يظل حتى تغرب الشمس وإذا خرج وعاد قبل الغروب فلا إثم عليه، أما إذا عاد بعد الغروب فعليه “دم” منبها إلى أن الحج المبرور هو الذي يقتدي فيه المسلم بالرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ويوافق سنته وأن يكون حاضر القلب ولا يتأفف من المشقة والتعب ويخلص النية لله تعالى في كل حركاته وسكناته وأن تغير هذه الفريضة من حاله وتزوده بالتقوى وسرعة التوبة لله تعالى وأن تسهم في استحضار القلب والتعلم من الدروس والعبر التي يتضمنها هذا الركن العظيم من أركان الإسلام وأن يتعظ ويتذكر يوم وقوفه أمام الله تعالى يوم الحساب.
وبين الدكتور تركي المري أن أماكن المشاعر المقدسة توقيفية لا يجوز زيادة مساحتها الأفقية أو النقصان منها رغم تزايد أعداد المسلمين ورغبتهم في إقامة هذه الشعيرة لكن إذا امتلأ المكان وفاضت هذه البقاع الطاهرة بأهلها واتصلت صفوفهم أو خيامهم إلى خارج الحدود الموضوعة سواء في منى أو عرفات أو المزدلفة فالحج صحيح.

وعرفات أو عرفة سهل صحراوي شاسع مفتوح يقع خارج حدود الحرم المكي من الجهة الشرقية بين مكة والطائف على بعد نحو 20 كلم من مكة المكرمة، حيث يَبعُد عن مكة حوالي 22 كيلو مترا وعلى بُعد 10 كيلومترات من منى و 6 كيلومترات من مزدلفة. وإجمالي مساحته 10.4 كيلومتر مربع، وقد وضعت علامات تبين حدوده، فمن الجهة الغربية يحده “وادي عُرَنة”. وهو تل من الجرانيت يرتفع حوالي 230 قدمًا، معروف بجبل الرحمة. وحدود عَرَفَة مِن ناحية الحَرَم هي نَمِرَة، وثُوَيَّة، وذي المجاز، والأراك، أما الحدود الثلاثة الأخرى لعَرَفَة، فهي سلسلةٌ مِن جبالٍ سوداءَ، أَبْرَزُها أُمُّ الرَّضُوم. وقد وُضِع لعَرَفة عَلَمَان يرمُزان إلى بدايتها، وعَلَمَان يرمُزان لنهايتها، توضيحًا لمن يجهل ذلك.
يستضيف السهل المحيط بجبل الرحمة ملايين الحجاج الذين يأتونه من مشعر منى، وقد سجل العلماء روايات غير موثقة عن أصل اسم عرفة لهذا السهل منها أنه يمثل مكان لم الشمل على الأرض لآدم وحواء بعد نزولهما من الجنة عندما أكلا من الشجرة المحرمة، وقيل إن عرفات سميت بذلك لأن الناس يتعارفون فيها، أو لأن أمين الوحي جبريل عليه السلام طاف بالنبي إبراهيم عليه السلام وكان يريه المشاهد فيقول له “أَعَرَفْتَ؟ أَعَرَفْتَ؟”، فيرد إبراهيم “عَرَفْتُ، عَرَفْتُ”،
ويتضمن هذا اليوم خطبة عرفة، التي تبدأ بعد زوال الشَّمس وقبل تأدية صلاة الظُّهر والعصر جمع تقديمٍ وهي من الخطب المسنونة، حيث يَعمَد الإمام إلى افتتاحها بحمد الله -تعالى- والثَّناء عليه، ثمَّ التَّكبير والتَّهليل فإن كان محرِماً افتتحها بالتَّلبية، ثمَّ بعد ذلك يأمر الحجَّاج بالمعروف ويحثُّهم على كلِّ ما فيه خيرٌ وصلاحٌ لهم ويدعوهم إليه، كما وينهاهم عن المنكر ويدعوهم لمجانبة محارم الله -تعالى- وكلِّ ما يَجلب غضبه وسخطه من المعاصي والآثام، ثمَّ ينتقل للحديث عن مناسك الحجِّ من وقوفٍ بعرفة وإفاضة منها، والوقوف بمزدلفة.
يذكر أن الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي تعمل على إيصال خطبة عرفة لجميع أنحاء العالم بعدة لغات عالمية وبأحدث التقنيات المستخدمة.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X