المحليات
الشيخ محمد حسن طاهر في خطبة الجمعة بجامع الشيوخ:

كل الأفكار المنحرفة والأباطيل إلى اندثار

الباطل سيذهب جفاءً فلا نفع فيه ولا دوام له

الزَّبد وإن علا فلا دوام له ولا بقاء والحق باقٍ دائم لا فناء له

ما جاء به الرسول من الحق حياة للأرواح والأمم ومدد وبركة

القرآن يفعل في القلب فعل المطر إذا تعرَّضت له الأرض العطشى

الدوحة- الراية:

أكَّدَ فضيلةُ الشَّيخ محمد حسن طاهر أنَّ كل الدَّعوات وكل الشُّبهات، وكل الأفكار المنحرفة، وكل الأباطيل التي يقذفُ بها أصحابُها ليطفئوا نورَ الله مآلها إلى جفاء وإلى فناءٍ واندثارٍ لأنَّ الله متم نوره ولو كره الكافرون.
ونوَّه بأنَّه ينبغي على المؤمن أن يعلم -علم يقين- أنَّ هؤلاء ومذاهبهم ودعواتهم وما يقذفون به الحق في وسائل الإعلام إلى ذهابٍ وإلى صيرورةٍ لا تنفع النَّاس، حيث سيبقى بإذن الله- سبحانه وتعالى- ما ينفع الناس من حق ونور وهدى (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلْأَرْضِ).
وقال في خطبة الجُمُعة التي ألقاها أمس بجامع الشيوخ: اعلم أيُّها المسلم أن الباطل سيذهب جفاءً فلا نفعَ فيه ولا دوام له لذا أوصى الله نبيَّه بقوله تعالى: (فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِيَ إِلَيْكَ)؛ أي استمسك بالذي أوحي إليك، واعلم أنه هو الذي سيبقى معك؛ لأنه هو الصافي وهو النقي، وهو الذي ستشربه بعد سيلان الوادي وذهاب الزَّبد.
وأضاف: هذا الذي سيبقى معك وهذا الذي سينفعك في ظلمات الدنيا والآخرة وهذا النور الذي ستستهدي به حين تلقى الله- سبحانه وتعالى-، لذا نحن ندعو الله بقولنا: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأوضحَ فضيلةُ الشَّيخ محمد حسن طاهر أنَّ الله- سبحانه وتعالى- يقول في مثل ضربه لكتابه ووحيه والحق الذي بعث به نبيه- صلى الله عليه وسلم- وأمثال القرآن : (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)، فهي أمثال عظيمة تجمع المعاني والصور والبركات ونور الأفهام في صور مضروبة وأمثال.
وقال: قال الله- عز وجل- في المثل الذي ضربه لكتابه: (أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها)، حيث شبَّه الحق والهدى والنور الذي بعث به محمدًا- صلى الله عليه وسلم- بالماء النازل من السماء، فهو يشبهه في كونه حياة للقلوب وحياة للأرواح وحياة للأمم ومددًا وبركة، قال: (فسالت أودية بقدرها)، وهنا شبَّه القلوب التي تستقبل ذلك الوحي القادم من السماء بالأودية فمنها الوادي الكبير ومنها الوادي الصغير ومنها ما يحتمل كثيرًا ومنها ما يحتمل قليلًا، وهكذا يتفاوت الناس، وهي أرزاق، فالإنسان يسأل الله من فضله بأن يملأ قلبه بنور العلم والهدى وأن يجعله محلًا وظرفًا صالحًا لاستقبال هذا العلم النافع.
وأضاف: قال تعالى: (فسالت أودية بقدرها فاحتمل السَّيل زبدًا رابيًا)، كعادة أودية الدنيا حين تجري بسيولها الجارفة يعلوها الزَّبد والرَّغوة وقذر الوادي، يعلوها ورق الشجر والأتربة والصخور الصغيرة وغير ذلك مما يحتمله الوادي، وما يسمَّى زبدًا، كذلك قلب الإنسان إذا دخله نور الهدى على هيئة ماء الوحل فإن النفس تهجم بأباطيلها وشهواتها ورغباتها وغرائزها وتهجم عليها الوساوس وغير ذلك فتعلو ذلك الحق كما يعلو الزَّبد ماء ذلك الوادي.
وتابع: قال تعالى: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبدٌ مثله)، وهذا مثلٌ ثانٍ، ففي المثل الأول شبَّه القرآن بالماء وفي المثل الثاني شبَّه القرآن بالنار هذه النار التي فيها خاصية الإضاءة خاصية الإنارة وهي أيضًا فيها خاصية الإحراق التي يستخدمها البشر في التصفية والتنقية والتخلص من الشوائب وطرد الخبث عن المعادن، قال تعالى: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله)، وكذلك البشر إذا أوقدوا على حليِّهم أو على معادنهم من أجل أن يستصلحوها لإقامة المتاع كالأواني والسلاح والأدوات وغيرها فإنه لا بد من تعريض تلك المعادن للنار حتى تتخلص من خبثها وشوائبها، فكذلك القلوب إذا تعرضت لنور الوحي وأنواره المشرقة وضيائه المحرق فإنه يحرق ما فيها من خبث وشهوات وباطل ووساوس ويطرد عنها كل ذلك قال تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
وعلق على الآيات قائلًا: هذا الزَّبد وإن علا فإنه لا دوام له ولا بقاء، والحق باقٍ دائم لا فناء له، كذلك القلب إذا تشرب الحق فإن هذا الحق ينفعه ويبقى فيه ويستمسك به الإنسان إلى آخر حياته ويظل معه الحق والعمل الصالح الذي عمل به بمقتضى ذلك الحق معه في قبره وفي قيامته ونشره ويدخل معه الجنَّة ويذكَّر بأنه إنما دخل الجنة بهذا العمل الذي كان يعمله، وأما مَن تمسَّك بشهواته وشبهاته استسلم لوساوسه فمثله كمثل الذي استمسك بالزَّبد ويوشك ذلك الزبد أن ينقشع عن ذلك الوادي، فإن الزبد لا نفعَ فيه ولا دوام له ولا بقاء ويوشك أن يفنى وتنقشع عن الإنسان حقيقة تلك الأباطيل التي تمسَّك بها وحقيقة تلك الشهوات التي قدمها على مرضاة الله، سبحانه وتعالى.
وأكَّد أنَّه يوشك الإنسان إذا انقطع به العمر أن يرى ما ضيَّع وما فرَّط ومقدار ما وضع فيه نفسه من السراب الذي كان يطارده فذلك الزبد يشبه ذلك السراب (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمَْٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُ، لَمْ يَجِدْهُ شَئًْا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ، فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُ)، ينكشف عنه غشاء الحقيقة فيرى تلك الأباطيل كما هي وكما شبهها الله بالزبد الذي يذهب جفاء وبالسراب الذي إذا جاءه لم يجده شيئًا، فنسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
وذهبَ إلى أنَّ هذا المثل المضروب للقرآن وتشبيهه بأمرين مهمين وعنصرين عظيمين عنصر الماء وعنصر النار، جاء من أن القرآن بمتضمَّنه يحتوي على هذين العنصرين ويفعل في القلوب فعلهما في عالم المشاهدة، فأنت ترى النبات حتى ينمو ويكبر ويزهو ويربو يحتاج إلى هذين العنصرين، يحتاج إلى الماء ليتغذى ويحتاج إلى ضوء الشمس حتى يقوم ببناء غذائه، كذلك القلوب تحتاج إلى نور القرآن ومائه تحتاج إلى غيث السماء، والماء فعله في القلوب كفعل الماء في أبداننا، ألا ترى أن الله جعل من الماء كل شيء حي، وجعل الماء سرَّ الحياة، وأنَّ البدن إذا قل ماؤُه قست فيه أعضاء، وجفَّت فيه أعضاء، ولربما تحجَّرت فيه أعضاء، فتظهر الحصى في الكلى وفي المرارة وفي المثانة وفي غيرها، وهذا من قلَّة الماء.
وأوضح أنَّ القلب كذلك إذا قلَّ تعرُّضه للوحي قسا وأصبح كالحجارة، مبينًا أنه على الرغم من أنَّ هذا الوحي عظيم لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله لكنْ من الناس قلوب قاسية (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ). وأبان أنَّ القلب القاسي ذلك القلب الذي غفل عن وحي الله ولم يتعرَّض له كثيرًا وكلما تعرَّض القلب لماء السماء لانَ، وكلما خزن، وإذا طال ذلك التعرض، فاض ذلك القلب بالعلم اللَّدنِّي كالنبع وكالجبل الذي إذا طال تعرضه للمطر ينبع بالماء وترى الماء يخرج من جوفه شلالات، من أين جاء هذا الماء؟ من طول تعرُّض الجبل لماء السماء، فكذلك القلب إذا طال تعرُّضه بالتلاوة، بالتدبُّر، بحضور مجالس العلم، بالقراءة، بطلب العلم، بالسَّعي للفهم عن الله- سبحانه وتعالى- فإنه بعد مدة يوشك أن يفيض بالعلم اللَّدنِّي يخرج النور من داخله يتحول إلى بصيرة تضيء له ظلمات دروبه في هذه الحياة، وهذا مثل عظيم لمن فقهه ولمن وعيه، لذلك تجد من دعاء رسول- الله صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللَّهم اجعل القرآن ربيع قلبي).
ونوَّه بأنَّ القرآن يفعل في القلب فعل المطر إذا تعرَّضت له الأرض وطال تعرُّضها حيث توشك أن تتحول صحراؤها وقفارها إلى ربيع وإلى رياض تنبت الأزهار وتنبت الأشجار، وكذلك القلب يصبح ربيعًا ويصبح وضيئًا، يصبح رياضًا، لافتًا إلى أنَّ القلب إذا لان فاض ذلك دمعًا في العين، لذلك كان رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم- يستعيذ بالله من قلبٍ لا يخشع وعينٍ لا تدمع، كأنَّ هناك ارتباطًا بين القلب الذي لا يخشع والعين التي لا تدمع. وقال: كم نشتاقُ إلى تلك اللحظات الإيمانية والنَّفحات الرَّحمانية الَّتي ترق فيها قلوبنا وتدمع فيها عيوننا، هذا متى يحصل ؟ في خواتيم رمضان، في العشر الأواخر، في مواسم الطَّاعة، في الحجِّ تجد القلوب تلين والعيون تدمع ثمَّ يوشك أن يعود الزَّبد وتعود الأباطيل والوساوس فيقسو القلب مرةً أخرى وتجفُّ العين مرةً أخرى لذلك كانت قلوب الصالحين دائمًا خاشعة وعيونهم دائمًا سيَّالة بالدَّمع من خشية الله سبحانه وتعالى.

 

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X