fbpx
كتاب الراية

خواطر.. «حكايا مسافرة»

التطور حاصل والعمران مُمتد.. لكن الشكوى تُغلِّف الأجواء وأشعر بفوضى المعايير

أكتبُ من عِدَّة مُدُنٍ عربيَّة، مترددة في ذِكر اسمِها، فلدي حساسيَّة ممن يتحدثون عن مدينتي، الستر خطوة إلى المحبة، والانتقاد شرارة تشعلها الرياح.
وإن كنت لا أرى حولي إلَّا كلَّ جميلٍ، فالتطور حاصل والعمران مُمتد وكل شيء متوفر، لكن الشكوى تُغلِّف الأجواء وأشعر بفوضى المعايير.
بعد أن استغرقت زمنًا في سماع هذا وذاك، ذهبت لأُعاين الواقع الذي أصبح يؤرِّقني، فوجدت الحال يتحدث عن نفسه، ويشكو قلَّة الشُكر، كل شيء على ما يُرام، لكنه الحديث عن ثقوب كانت صغيرة دون رتقٍ يُمسك بزمامها، كله كلام…!
بكَّرت في إجازتي هذا العام، لم ألحظْ من قبل أنَّ أغلبَ البيوت مُغلقة ومُعتمة، إلا من بعض العجائز المنتظرين على كراسيّ خيزران أمام أشجارِهم الحزينة، كلَّما سمعوا صوتًا نهضوا ليطالعوا المارَّة، على أمل عودة المغتربين، علَّ الحظ يُواتيهم وصلاة الأهالي تصدُّ الحسد عنهم.
الناس هُم الناس، لا يدركونَ قيمة الأشياء إلا بعد فقدانها، الفكرة ليست باختلاف الطقس والطبيعة، هي حالة من التجانس بين المرءِ والمكان، يعبق عطرًا فريدًا، لا يُميِّزه سوى الغرباء، ولكن هيهات أن يُلاحظه الساكن إلَّا بعد أن يرحل عنه!
كانت الصُحف تنقل الحقائق بحلوها ومُرِّها، لكن.. القُرَّاء قِلَّة، ولكلٍ مآربه ومصادرُه في زمن الطغيان الإلكتروني ومنابره الحُرَّة، التي جعلت من الجاهل والحاسد خطباء لهُم أتباع.
نعم، الفقر موجود، ولكنَّ متوسطي الدخل والأثرياء موجودون أيضًا، والأفراح تعم الأماكن، وكذلك بيوت العزاء، أليست تلك طبيعة الحياة، فهي ولادات، وَفَيَات، زواج، نجاح، وتخرُّج، ورسوبٌ يؤدي لإعادة السنة الدراسية، أو لإعادة النظر في تعلُّم الحرف اليدوية ومهن تسد النقص وتقلل البطالة.
لا أبالغُ إن قلت إنَّ فاتورةَ العامل الذي أصلحَ الصنبور ومضخة الماء، تزيد على فاتورة الطبيب الذي عالجني، أنا سعيدة بارتفاع أجرته، بينما يعتبره البعض آخر الزمان، مُتجاهلين أن تسريب الصنبور كفيلٌ بإتلاف جدران البناية وتعفنها، ليتَهم أنصفوا عُمَّال الكهرباء والنظافة.
الشُرفات هنا متقاربة، ولا مجال لتلافي حديث الجيران، مهما حاولت الانشغال بزفَّة العرسان المارقة أمامك في سيَّارة مكشوفة مُزيَّنة، قيمة أُجرتها تعادل راتب العريس أشْهُرًا، «مساكين، لا يدركون صعوبة الأيام القادمة، سيندمون على المصاريف عند الطلاق» ، كلماتٌ حوَّلت طبول الفرح إلى قرع طبول الحرب، وشُرفة الأملِ إلى منبع قلق، حُسن الظنِّ مغلوبٌ على أمره لديهم.
على ناصية الشارع محل فاكهة وخضار تأتيه كل صباح من المزارع، غالبًا ما يرتفع السعر على سائحة مثلي، ولا أناقش في الأمر، كل لذيذ يستحق، فتؤنبني جارتي: «عم بتخربوا البياعين وبترفعوا الأسعار» .
إن امتدحت الطقس، يقولون هذا كل ما لدينا، لا تحسدونا عليه، قصر نظر بين قوسَي الحظ والحسد، أم أرق يُفْقِدهُم بركة الفجر، لم أعتد الظُلَّم، ثمَّة فجوة لا يملك أغلبهم القُدرة على ردمها، البعض يتخطَّاها والبعض ينثر فيها البذور، وأنا لست سوى مصيافة تشاهد بنظارة ورديَّة.
في المقاهي يتحدثون عن الفساد، ويشتمون المُتسببين مع كل رشفة قهوة، ويتشدقون بتحليلاتهم الاقتصادية وكشفهم المُسبق للمؤامرات العالميَّة، ثم تُقلَب الفناجين، بانتظار عجوزٍ شمطاء تُعلِمهُم بالمستقبل والجديد.
إلى لقاء آخر في مدينة أخرى.

[email protected]

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X