fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك … بين الهندسة والعربية

في الغرب لا يتحكم المجموع أو المُعدل في دخولك إلى تخصصٍ دون سواه

يقولون لي: إذا كنتَ شغوفًا بالعربيّة إلى هذا الحدّ؛ فلماذا لم تدرس الثّانويّة العامّة في الفرع الأدبيّ؟ ولماذا لم تتوجّه إلى دراستها في البكالوريوس منذُ البداية؟ أقول لهم: لقد فعلتُ، أنا أعيشُ بها مُذ وعيت، فالعربيّة تجري مِنّي مجرى الدّم من العروق، ولقد شكّلتْ لِساني ووجهي ويدي، ولقد صاغتْ في النّظر إلى الأشياء والحُكم عليها حياتي، إنّها ليستْ حروفًا، إنّها كائنٌ حيٌّ، وهي لغةٌ شاعرةٌ ساحرةٌ بليغةٌ أنّى جِئتَها فهي الخضمّ الهادر، ومن أيّ السّواحل أتيتَها فهي الكنز الزّاخر. وإنّني بِها ولَها عِشتُ وأُفاخِر.

لكنّني أريدُ هنا أنْ أتوقّفَ عند فِرية العلميّ والأدبي التي استُحدِثتْ في عالَمنا الحديث، وتضع بين تخصّصين مقصلةً لا ينبغي تجاوزها!! سأسأل هذا السّؤال: ماذا كان تخصّص ابن سينا من جهة والجاحظ من جهةٍ أخرى؟ وماذا كان تخصّص جابر بن حيّان وابن الهيثم والرّازي وعبد اللّطيف البغداديّ من جهة، وماذا كان تخصّص المتنبّي وابن رشيق القيرواني والخليل بن أحمد الفراهيديّ وابن السّكّيت من جهة أخرى؟ أينَ كان اسم التّخصّص الّذي يظهر اليوم يظهر عندهم؟ لقد كان ابن سينا الطّبيب شاعرًا وفقيهًا، وكان الرّازي الطّبيب فيلسوفًا، وكان عبد اللّطيف البغداديّ الطّبيب نحويًّا، وفي المقابل كان الجاحظ الأدبي فلكيًّا، وكان الخليل بن أحمد الفراهيدّي العَروضيّ رياضيًّا، وكان الكنديّ فيلسوفًا ورياضيًّا.. الفكرة أنّه لم يكنْ هناك فصلٌ بين العلم الّذي يذهبُ إلى العلوم الطّبيعيّة أو العلوم الإنسانيّة، كان هناك عقلٌ يعملُ في الجهتَين. وجُهدٌ وجِدّيةٌ في تحصيل العِلم والدّخول إليه من أبوابه المُتفرّقة، هذا مع ملاحظة أنّه يُمكن أنْ تدخلَ من أكثر من باب إلى أكثر من منزلٍ، ولكنّكَ تجدُ نفسكَ في منزلٍ دون سِواه، فتبيتَ فيه، وتعيشَ حياتك في أرجائه، ولكنّ ذلك لا يمنع من دخول المنازل الأخرى، ولو خرجتَ منها بأن استمتعتَ بمنظر اللّوحات على جدرانها، أو قرأتَ بعضَ الإشارات على أبوابها لكان خيرًا. هذه الحقيقة لم تُلغِها تصنيفات العلم الحديث في تقسيم النّاس إلى ضِفّتَين وإلى فُسطاطَين: العلميّ والأدبيّ، فأنا أعرفُ أنّ كثيرًا من الّذين اتجهّوا إلى التخصصات العلميّة لإبداعهم فيها هم مُبدِعون في اللّغة كذلك.. المُعوّلُ عليه: هل أنتَ تُحرّكُ هذا العقل وتُشغّله، أم أنّكَ تُؤجّره وتمنحه إجازةً طويلة؟! ولديّ نماذج من أيّامنا هذه لا حصر لها، فمثلًا كان (علي محمود طه) صاحب القصيدة الشّهيرة: (أخي جاوز الظّالمون المدى) مُهندِسًا، وكان (إبراهيم ناجي) صاحب قصيدة الأطلال (يا حبيبي لا تسلْ أينَ الهوى) طبيبًا، فماذا يبقى من قيمةٍ لهذا التّصنيف الّذي يبدو مُجحفًا وعَبَثيًّا؟!

أعودُ إلى الفِرية الّتي تحدّثتُ عنها آنِفًا، لأزيدَ عليها فكرةً أخرى، إنّكَ لو ذهبتَ إلى الغرب لَما وجدتَ المجموع أو المُعدّل هو الّذي يتحكّمُ ويُسيطرُ على دخولكَ إلى تخصّصٍ دون سِواه، إذ يدخلُ الطّالب بعدَ نجاحه في المرحلة الثّانويّة التّخصّصَ الّذي يرغبُ به، فلربّما حصّل معدّلًا متواضِعًا ودخل الطّبّ وصار من أشهر أطبّائهم، وربّما حصّل مُعدّلًا عالِيًا ودخل الفنون أو الآداب فصار من أشهر أدبائهم أو فنّانيهم، فإنْ لم يُفلِح في التّخصّص الّذي اختاره دون أنْ يحكمه معدّله في ذلك، فإنّ الجامعة تلفظه عند أوّل منعطف فيجد نفسَه خارِجها؛ إذًا المُعوّل عليه ليس معدّلك في الثّانويّة، وإنّما رغبتك وإرادتك في أنْ تُصبحَ ما تريد، هذا ليسَ معمولًا به في بُلداننا؛ لماذا؟ لأنّهم يريدون منك إمّا أنْ تكون طبيبًا أو مهندسًا مُنشغلًا فلا تُنتِج في المجتمع ما يدفعُ به إلى الأمّام، وإمّا أنْ تكون طبيبًا ومهندسًا فاشِلًا لأنّ الّذي دفعك للدّخول إلى هذين التّخصّصين هو معدّلك وليستْ رغبتك. تخيّلوا لو أنّ كلّ واحدٍ منّا في بُلداننا العربيّة انتمى إلى الفرع الّذي يُحبّه ويُبدِعُ فيه من البداية دون أنْ يكونَ لضغطِ المجتمع الخاطِئ والمعدّل أيّ تدخّل في ذلك؛ أكان يُمكن أنْ يكون عندنا أدباء وفنّانون وإداريّون وإعلاميّون وأطبّاء ومُهندِسون وسياسيّون ناجحون؟ أليس الّذي يقودُ المجتمعات عبر التّاريخ هم الأدباء والفنّانون، هم أولئك الفلاسفة الّذين يُشكّلون الوعي الجمعيّ لمجتمعاتهم من خلال أفكارهم الّتي يُضمّنونها كتاباتهم؟!

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X