fbpx
المنتدى

«دموع صاحبة الجلالة» !

أقدمت على «دموع صاحبة الجلالة» بشغف وقرأتها بمتعةٍ شديدةٍ لكن لم أهتم باقتنائها عندما صدرت في كتاب

بقلم/ سليم عزوز:

تَعْرضُ قناةُ «ماسبيرو زمان» مسلسلَ «دموع صاحبة الجلالة» وهُوَ عملٌ عرضَه التلفزيونُ المصريُّ سنةَ 1993، وتذكرتُ أنَّني لم أشاهدْه، فشاهدتُ منه حتَّى كتابةِ هذه السطورِ حلقتَين فقط، وليس مؤكدًا أنني سأتابعُه كاملًا، فقد أوشكَ على الانتهاءِ!

المسلسلُ هو روايةٌ للكاتبِ موسى صبري، وتحملُ نفسَ الاسمِ؛ «دموع صاحبةِ الجلالة»، وإذ علمتُ أنَّها تحوَّلت إلى مسلسل إذاعي، فقد فُوجئتُ قبلَ كتابة هذه السطورِ بأنَّ دورَ السينما قدمتها فيلمًا في سنة 1992، وقد نُشرت الروايةُ في البداية حلقاتٍ مسلسلةً بجريدة «أخبار اليوم» ، قرأتُها كاملةً، وكان قد سبقَ عمليةَ النشرِ الترويجُ لها عبرَ «أخبار اليوم» ، فجعلتِ الدعايةُ القُرَّاءَ في شوقٍ إليها!

تصدر «أخبار اليوم» يوم السبت من كلِ أسبوعٍ، وهناك توزيعٌ مسائيٌ في القاهرة من صحفِ اليوم التالي، وأذكرُ أنني كنتُ على سفرٍ مساءَ الجُمُعة، لصدور الحلقة الأولى من الرواية، وكنتُ في محطةِ القِطار في طريقي لمسقط رأسي، وكلنا نترقبُ وصولَ الصحف، قبل موعد القِطار، وإذ وصلت، فقد اندفعَ الجميعُ إليها، وبعد دقائقَ لم يكن هناك أحدٌ على الرصيفِ والأرصفةِ المقابلةِ إلَّا ويحملُ عددَ «أخبار اليوم» التي كانت توزعُ مليونَ نسخةٍ أسبوعيًا، لكنَّ هذا العددَ والأعدادَ التالية لم يكن الإقبالُ عليه طبيعيًا.

قبل نشْر الروايةِ كنَّا نعلم أنَّ البطل سيكون هو الصحفي الكبير مُحمَّد حسنين هيكل، وكنتُ في سنواتِ عملي الأولى بالصحافة، وكثيرًا ما دار النقاشُ بين الزملاء حول هذه الروايةِ التي تطلبُ «أخبار اليوم» من القُرَّاء أن يترقَّبوها، والكاتب والمؤسسة في حالة عداء لهيكل المتهم بأنَّه زجَ بعميدِها وأستاذه مصطفى أمين في السجن بتهمة التخابر مع الولاياتِ المتحدة الأمريكية بعد ثورةِ 1952، وبعد صدور قرارات سبتمبر 1981، والتحفظ على هيكل ضمن آخرين من ألوانِ الطيفِ السياسي، أطلقت «أخبار اليوم» نيرانَ مِدفعيتِها عليه، وهاجمَه موسى صبري رئيسُ مجلس إدارةِ المؤسسة ورئيس تحرير جريدة «الأخبار» اليوميَّة، كما هاجمه «إبراهيم سعده» رئيسُ تحرير «أخبار اليوم» الأسبوعيَّة، ومنذ خروجِه من السِّجنِ لم يتوقفْ مصطفى أمين عن الهجومِ على هيكل، الكاتب الأوحد بحسبِ وصفه له، في عمودِه «فكرة» .

وباغتيالِ الساداتِ وخروجِ هيكل، سارعَ سعده لإجراءِ حوارٍ مطول مع هيكل، بحضورِ مجلسِ تحرير «أخبار اليوم» ، وهو مختلفٌ عن مجلسِ تحرير «الأخبار» ، ثم كتبَ هيكل ثلاثةَ مقالات في «أخبار اليوم» ، ما أثارَ حنق «الأهرام» المؤسَّسة التي تنتمي لهيكل، وينتمي إليها، وطالبت بنشرِ المقال في الصحيفتَين، لكن توقفت المقالات، لأنَّ المُناخ السياسي لم يكن يتحملُ هيكل، وكان يعد العدة للانتقامِ لشخصِه من السادات!

كنَّا صغارًا و «أبرياء» فلم نستطع القبولَ بما جرَى، فكيفَ لمن هاجم هيكل أن يحاوره، لمجرد أنَّ السادات مات، وكيف لصحيفةٍ كانت تقفُ في مواجهتِه على خط النار أن تسارعَ إليه وتفتحَ له صفحاتِها، وكيفَ لهيكل نفسه أن يقبلَ هذا من زملاءَ لم يضعوا في اعتبارِهم أنَّه معتقل لا يمكنه الدفاع عن نفسه؟!، لكنَّها السياسة، وبالقطع فقد انتصر هيكل، فها هم من هاجموه يسعون إليه!

لا نعرف يومئذٍ مشاعرَ صاحب «فكرة» والمالك السابق ل «أخبار اليوم» قبل تأميم الصحافة، وأيضًا مشاعرَ موسى صبري، و «هيكل» في العهدِ الجديدِ يأتي إلى المؤسَّسة ويُستقبلُ استقبالَ الفاتحين، وموقف «إبراهيم سعده» في الحالتَين كان عملًا من أعمالِ الوظيفة، فالعداءُ الحقيقيُّ بين مصطفى أمين وهيكل، والتنافس المسكون بالعداءِ هو بين موسى صبري وهيكل، وهما من جيلٍ واحدٍ، وعَمِلا معًا في «أخبار اليوم» ، وفي الوقت الذي كان فيه هيكل رئيسًا ل «الأهرام»، كان «موسى صبري» رئيسًا لتحرير «الجمهورية» صحيفة الثورة، كما أنه كان بديلًا له في عهد السادات بما يسمحُ به هذا العهدُ، ولم يكن السادات مستعدًا لتَكرارِ تجرِبةِ «الصحفي الأوحد» ، فقرَّب منه أكثر من صحفي، كان أقربهم إليه «أنيس منصور»، لكن لا أحدَ خاضَ بإخلاصٍ معاركَ السادات إلا موسى صبري، الذي زامله في سجن واحد قبل الثورة، وكان من بين هذه المعارك معركة السادات مع هيكل!

ومع اغتيالِ السادات فقد استمرَّ موسى صبري يهاجم مُحمَّد حسنين هيكل، وأفرد له جانبًا كبيرًا في مذكراته، لهذا فلم يكن رَجْمًا بالغيب عندما يقالُ إنَّ موسى صبري سينشرُ روايةً تحمل عنوان «دموع صاحبة الجلالة» أنَّ البطل سيكون هيكل، وجاء بطل الرواية صحفيًا انتهازيًا اسمه «محفوظ عجب» ، فلابد أن يكون المعني هو غريمه هذا!

لكنَّ الروايةَ لم تكن تأريخًا لمسيرة هيكل، فتأتي وقائع معروفة عنه فنقول إنه «محفوظ عجب» ، فتُذكر وقائع أخرى فنقول إن البطل هو «محمود عوض» ومع أحداث أخرى نقول إنَّ المعني ليس «هيكل» أو «عوض» !

وكان «محمود عوض» صحفيًا فاحشَ الموهبة، لكن موسى صبري منعه من الكتابةِ، ليس بسببِ موقفٍ من السلطة، ولكن لصدامٍ معه، وكان «عوض» شخصًا صداميًا أضاع نفسَه بمثل هذه المعارك، وبدَّد فيها موهبته الكبيرة، لكنه كان معروفًا في الوسط الصحفي، وكان عضوًا منتخبًا بمجلس نقابة الصحفيين، فجيلُه كان يقبله على علته، وربما كان نجاحُه في جانبٍ منه نكايةً في موسى صبري، فلما جاءت أجيالٌ جديدةٌ ليست مطلعةً على تفاصيلِ المشهدِ عاملته بقواعدِ الانتخابات فسقطَ، وكان يترشحُ، فيجلسُ في حديقةِ النقابة يتجاذبُ الحديثَ مع زملائه، ولا يشغلُه ما يشغلُ المرشحين من ترحيبٍ بالناخبين وعرضِ أنفسهم عليهم!

وقال موسى صبري: إنه لا يقصد شخصًا بعينِه بشخصية «محفوظ عجب» ، ولم يكن هذا صحيحًا، لكن العمل الأدبي له أحكامُه، فقد استدعى أكثر تصرفٍ رديء لأكثرَ من شخصيةٍ لينسبه لبطل روايته، فيصبح رواية وليس قصة حياة.

وأتذكرُ أنَّني أقدمت على «دموع صاحبة الجلالة» بشغفٍ، وقرأتها بمتعة شديدة، لكن لم أهتمَّ باقتنائِها عندما صدرتْ في كتابٍ، كما لم أشاهدها بعد أن تمَّت معالجتها فنيًا، ربما حتى لا تفسد الرؤية ما أحدثتْه القراءةُ من تأثيرٍ!

(كانت أيام)!

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X