اخر الاخبار

القصف الإسرائيلي يغتال براءة أطفال فلسطين

الدوحة – قنا

آلاء عبدالله قدوم .. طفلة الخمس سنوات ليست الأولى ولا الأخيرة التي يستهدفها جيش الاحتلال الإسرائيلي في سلسلة جرائم الحرب المتكررة التي يشنها ضد السكان العزل في قطاع غزة، وتضاف هذه الشهيدة إلى قائمة ضحايا جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني التي لا يكف عن تكرارها، مطمئنا إلى الصمت الدولي، ومستنصرا بدعم عدد من العواصم الغربية.
مشاهد العدوان الذي شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في مايو 2021 كانت مطبوعة في ذاكرة الطفلة الشهيدة التي لم يخلد ببالها أنها ستكون ضحية عدوان آخر تشنه القوات الإسرائيلية بعد أكثر من عام، لتصبح الأصغر سنا بين من التحقوا بركب الشهداء الغزاويين خلال العدوان.
ومع كل تصعيد وعدوان إسرائيلي على قطاع غزة، يضع الاحتلال الأطفال ضمن قائمة أهدافه الأولى، كما كان عدوان مايو 2021 حين ارتقى 232 فلسطينيا بينهم 65 طفلا، ويوجه صواريخه وطائراته المسيرة نحو أجساد صغيرة ليس بقدرتها التحصن من الاستهداف، أو الاختباء من القصف.
وبلغ عدد الشهداء في فلسطين منذ عام 2000 حتى نهاية العام الماضي 2230 شهيدا، منهم 315 طفلا ارتقوا خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2009، و546 ارتقوا خلال عدوان عام 2014.
كما كان الأطفال الفلسطينيون في عدوان قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في مايو 2021، الذي استمر 11 يوما، على رأس قائمة الأهداف الإسرائيلية، حيث ارتقى 72 طفلا جراء قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية منازلهم بكل وحشية، لدرجة أن بعض العائلات أبيدت بكامل أفرادها كعائلات أبو حطب، وأبو عوف، واشكنتنا، والقولق.
هذه السلسلة الدموية في التاريخ الأسود للاحتلال بحق الفلسطينيين وأبنائهم الصغار، جعلت الذاكرة الفلسطينية تعج بآلاف الأطفال الذين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية، مثل الرضيعة إيمان حجو في قصف دبابات الاحتلال لـ /خان يونس/ عشوائيا في عام 2001، ومحمد الدرة الذي استهدفه جنود الاحتلال وهو يحتمي بحضن والده في شارع صلاح الدين بالقطاع سنة 2000، إضافة إلى الجرائم التي اقترفها المستوطنون، بما في ذلك جريمة إحراق وقتل الطفل المقدسي الشهيد محمد أبو خضير، وجريمة إحراق عائلة دوابشة داخل منزلها في قرية “دوما” جنوبي مدينة /نابلس/ بالضفة.
آلة القتل الإسرائيلية تستهدف المدنيين بالدرجة الأولى، ولعل المنزل الذي قصفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي في رفح مساء أمس /السبت/ شاهد على تعمد الاحتلال قتل الأبرياء المدنيين، لا سيما النساء والأطفال على حد سواء.
فقد قصفت طائرات الاحتلال تجمعا للمواطنين الهاربين من حر الصيف في ظل انقطاع التيار الكهربائي، ما أوقع أعدادا كبيرة من الشهداء والجرحى، وأيضا العرس الذي حولته طائرات العدوان إلى مأتم، فقد استشهدت مسنة فلسطينية في غارة إسرائيلية قرب “مخيم جباليا” للاجئين شمالي القطاع، كما استشهدت سيدة أخرى وأصيب آخرون جراء استهداف مركبة مدنية بالقرب من حاجز “بيت حانون” شمالي غزة، أثناء نقل عروس إلى بيت زوجها.
هذا السيل من الجرائم لم يتوقف عند هذا الحد، فقد استهدفت طائرات الاحتلال أيضا تجمعا للمواطنين في منطقة “شعشاعة” شرقي “جباليا” شمالي مدينة غزة، ما أدى إلى إصابة العديد منهم بجروح، حيث تم نقل المصابين إلى المستشفى الإندونيسي في بلدة “بيت لاهيا” المجاورة.
صور انتشال جثامين ثمانية شهداء من تحت أنقاض المنزل الذي استهدفه الكيان الإسرائيلي مساء أمس /السبت/، من بينهم فتى يبلغ من العمر 14 عاما وسيدتان، ونحو أربعين مصابا بينهم نساء وأطفال من تحت أنقاض منزل في مدينة /رفح/ جنوبي القطاع، دليل صارخ في سيناريو قديم متجدد، على تقاعس المجتمع الدولي عن ممارسة دوره، وعجزه عن تنفيذ القرارات التي تم التوافق عليها كأساس لقيام دولة فلسطينية مستقلة، في عالم اعتاد وحشية وعدوان الاحتلال المتكررين على سكان غزة، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية باستهداف وقتل المدنيين، خاصة النساء والأطفال دون رادع أو محاسبة من المجتمع الدولي الذي اكتفى، كعادته، بإدارة الصراع لا إنهائه.
عدوان الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ الجمعة الماضي على القطاع، خلف دمارا في 650 وحدة سكنية، منها 45 وحدة أصبحت غير صالحة للسكن، وتسبب بتزايد أعداد الشهداء إلى 32 شهيدا في ثلاثة أيام، فضلا عن ارتفاع عدد الجرحى إلى 215.
كما ألحق عدوان الاحتلال أضرارا بالعديد من المؤسسات الأهلية، بينها الإعلامية والحقوقية ومنازل المواطنين، التي كان آخرها قصف أحد البنايات غرب مدينة غزة في انتهاك واضح للقوانين الدولية، وتوقفت محطة التوليد الوحيدة في قطاع غزة عن العمل بسبب نفاد كميات الوقود في محافظات القطاع، وأدى هذا التوقف إلى خسران كمية كهرباء كبيرة، وأثر على كافة المرافق والمنشآت الحيوية في غزة، وفاقم الوضع الإنساني.

لمعطيات والأرقام السابقة تفرض على المجتمع الدولي التحرك بقوة للجم قوات الاحتلال، ومنعها من المضي في حرب وحشية أخرى ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وهذا الأمر لن يتحقق إلا من خلال إيمانه بعدالة القضية، وعمله على قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف.
إن ما يحدث اليوم في قطاع غزة، وما يتعرض له من اعتداءات، ما كان ليتم لولا تقاعس المجتمع الدولي عن ممارسة دوره، وعجزه عن تنفيذ القرارات التي توافق عليها كأساس للحل، والتي يتعين بموجبها قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ولعل كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حول ما تعيشه القضية الفلسطينية وتعامل المجتمع الدولي معها، خلال قمة جدة للأمن والتنمية التي عقدت بمركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات في مدينة جدة مؤخرا، تلخص حال الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، حيث قال سموه: “المخاطر التي تحدق بمنطقة الشرق الأوسط في ظل الوضع الدولي المتوتر تتطلب إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، التي تشغل مكانة مركزية لدى شعوب عالمينا العربي والإسلامي وقوى السلام في العالم أجمع لأنها قضية عادلة وذات حمولة رمزية كثيفة في الوقت ذاته.. وسيظل أهم مصادر التوتر وعدم الاستقرار قائما ما لم تتوقف إسرائيل عن ممارساتها وانتهاكاتها للقانون الدولي، المتمثلة في بناء المستوطنات، وتغيير طابع مدينة القدس، واستمرار فرض الحصار على غزة. ولم يعد ممكنا تفهم استمرار الاحتلال بسبب السياسات الانتقائية في تطبيق قرارات الشـرعية الدولية، وتفضيل سياسات القوة، وفرض الأمر الواقع على مبادئ العدالة والإنصاف”.
وأضاف سموه، في كلمته: “لقد أجمعت الدول العربية، على الرغم من خلافاتها، على مبادرة سلام عربية تعرب عن الاستعداد لتطبيع العلاقات معها جميعا إذا وافقت إسرائيل على تسوية بناء على قرارات الشرعية الدولية التي تقضي بالانسحاب إلى حدود عام 1967 ضمن اتفاقية السلام.. ولا يصح أن نتخلى عن مبادراتنا لمجرد أن إسرائيل ترفضها”، ليختتم حضرة صحاب السمو أمير البلاد المفدى بالقول: “لا يجوز أن يكون دور العرب اقتراح التسويات، ودور إسرائيل رفضها والزيادة في التعنت كلما قدم العرب تنازلات.. وكما أن لإسرائيل رأيا عاما، فإن لدينا أيضا في العالم العربي رأينا العام.. فإننا نتطلع إلى دور فعال للولايات المتحدة في الدعوة إلى مفاوضات جادة لتسوية القضية الفلسطينية، وفق قرارات الشرعية الدولية، وعلى أساس مبدأ حل الدولتين الذي توافق عليه المجتمع الدولي، بحيث لا يكون المقصود تفاوضا من أجل التفاوض، ولا لإيهام أنفسنا أنه ثمة عملية سلام جارية”.
ومن خلال هذه التوصيات الرصينة في كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، التي لو استغلها العالم، خاصة دعاة السلام منهم للعمل على الوصول لحل للقضية الفلسطينية، يمكن دفع المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته ووقف هذا العدوان، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، والتحرك الفوري لمحاصرة دوامة العنف المتصاعدة، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على التهدئة الشاملة، ووقف الإجراءات الاستفزازية والتصعيدية.
ويتعرض قطاع غزة منذ يوم الجمعة المضي إلى عدوان متواصل من قبل قوات الاحتلال، حيث شنت الطائرات الإسرائيلية المئات من الغارات الصاروخية على مناطق متفرقة من القطاع، كما أطلقت المدفعية مئات القذائف استهدفت المواطنين الفلسطينيين في الأحياء السكنية والأراضي الزراعية، دون أن يكترث العالم لحال أهالي غزة الذين لا حول لهم ولا قوة، في مشهد جديد قديم على الانحياز الغربي التام للظالم على حساب المظلوم.
ويأتي العدوان الإسرائيلي في وقت سعت فيه الفصائل الفلسطينية للتهدئة، إلا أن سلطات الاحتلال كان لها رأي آخر، فالعدوان الجديد لم تسبقه أي هجمات فلسطينية من غزة، بالرغم من التقارير الواهية التي كانت تروج لاستهداف وشيك قد تتعرض له دولة الاحتلال، الأمر الذي جعل الاحتلال يتذرع بها لتبرير اعتداءاته، ويبرز أن ما يجري الآن كان مخطط له سلفا بهدف النيل من المقاومة الفلسطينية، ودفع الشعب الفلسطيني إلى حافة اليأس، لتمرير مخططات التهويد التي تستهدف الضفة الغربية المحتلة، خاصة مدينة القدس، فضلا عن مخططات تهويدية للمسجد الأقصى المبارك.
ولعل الصمت الدولي على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، وعدم محاسبته على جرائمه المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، يشجع الاحتلال وأجهزته المختلفة على التمادي في جرائمه، وممارسة أبشع الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي بلا تأخر أو مواربة ممارسة الضغط الجاد على دولة الاحتلال للكف عن جميع أشكال انتهاكاتها لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واحترامها قواعد القانون الدولي ومبادئ القانون الإنساني الدولي، والتزاماتها الدولية والاتفاقات.
إن ما ارتكبته قوات الاحتلال الإسرائيلي من قصف لمناطق سكنية مختلفة في قطاع غزة، يعد جريمة موصوفة لا تحتاج لشواهد وبراهين للتدليل على أنها تستهدف الإنسان الفلسطيني والإنسانية ، كما أن جرائم الاحتلال المتكررة ضد الشعب الفلسطيني لن تزيد عموم الفلسطينيين، خاصة الغزاويين، إلا صمودا في الدفاع عن قضيتهم العادلة، ولن يتنازل أي فلسطيني على الأرض المحتلة وخارجها عن قضيته مهما بلغت بشاعة الجرائم التي تمارسها ضدهم قوات محتلة لا تعرف إلا القتل والتدمير وانتهاك حقوق الإنسان عبر ممارسة الفصل العنصر من خلال حصار القطاع، أو التعنت المتكرر أمام مبادرات السلام العربية، بما يجر المنطقة لمزيد من التوتر والعنف، وانعدام الأمن.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X