fbpx
كتاب الراية

خواطر.. «حكايا مسافرة» 2

أسوار القسطنطينية كانت سلسلة من الجدران الدفاعية لحمايتها برًا وبحرًا

إسطنبول، مدينةٌ شغلت عاصمة ثلاث إمبراطوريات عالميَّة، الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية والعثمانية.
أمَّا أسوار القسطنطينية، فكانت سلسلة من الجدران الدفاعية لحمايتها برًّا وبحرًا، حتى قام السلطان محمد الفاتح باقتحام الأسوار وافتتاحها، لتصبح عاصمة الخلافة العثمانية، وغيَّر اسمها إلى إسلام بول (إسطنبول)، ولا بد أن يدور في ذهن السائح ما عرفه من كتب التاريخ عن أحداثها ومتانة أسوارها الشاهقة.
تُرى كم معركة دارت رحاها في تلك البقعة من العالم على مدى قرون، وكم روحًا أُزهقت بين الدفاع والهجوم؟، ألف تساؤل يداهمك وأنت تمشي في طرقاتها بين المقاهي والمطاعم التي حلّت مكان حصونها المنيعة، وفتحت بواباتها التاريخية للناسِ من كافة الديانات والجنسيات.
يُجلسك الباعةُ على كُرسيٍّ قزم، ليقدموا لك كوب شايٍ شرقيِّ الشفافيَّة مع خاشوقة سُكَّر، أو فنجان قهوة بقُبَّعةٍ فضيَّة، بجانبه حلوى الحلقوم، بينما تحاول أنت إطفاء ومضات التاريخ، لكن هيهات أن تتغلَّب على هيمنة الذاكرة.
تتمنى أن تَسْتَقلَّ كبسولة الزمن بين كانَ وحانَ، لكنَّ (الآنَ) يفرضُ نفسهُ ويدفعك للتفكير إيجابًا بالجدار العازل، وغزة المحاصرة، ومرفأ بيروت، وبلاد الرافدين، واليمن السعيد، التغيير مصدر التعاسة والسعادة، وهو الأمرُ الثابتُ في الحياة، والمُدُن التركيَّة تجلب التفاؤل، بكل موانئها وجِبالها وقِلاعها.
حاضرُ إسطنبول يمنحك أملًا غريبَ المذاقَ في عُلُوِّ قاهرة المُعِزِّ، وعودة قطار الحجاز، وعرب في مقطورةٍ على سكَّة حديدٍ بين بلاد الشام وبغداد والمدينة المنورة.
تتأمل في وجوه الأتراك، فترى بوصلةً تُشير لكل الاتجاهات والأقطار. تُعلمك أنَّ الإنسان لم يُخلق شجرةً تضرب جذورها في الأرض وتعانق السحاب، خُلِقَ الناس أحرارَ الأَقدام والإٍقدام، «موقع الهمزة يصنع الفرق»، ولَهُم أن يسيروا في الأرض ويسبحوا في البحرِ ويطيروا في السماء، في حِراكٍ أفقيِّ التوجُّه جسدًا، كالنورِ رُوحًا وفِكْرًا، يسري في كل اتجاه.
على ممشى مقابل أحد البحار الثلاثة، تنتشرُ عيون زرقاء مزروعة في الأرصفة والجدران، تتحاور معهم فتجدهم يفهمون العربيَّة. ورغم اختلاف النُطق، إلا أنه عند قراءة بعض العناوين والكلمات المكتوبة باللاتينية، تجدها متداولة للآن في مصر وبلاد الشام، ذهبوا وبقيت كلماتهم كآثارهم، تُذكِّرنا المنارات والصروح بالحضارة والخسارة، كأي شيء آخر يحمل في طياته الفوائد والضرر.
عادةً ما تقوم الفتوحات والحركات الإصلاحية على أهدافٍ نبيلة، لكنَّها إن لم تستمر على نفس النهجِ لتحقيق أهدافها المُعلنة، وإنْ لم تستدرك مواطن الفساد والتسلُّط وتقضي على المُستَغِلِّين والعُملاء، فسوف تمرض وتُصبح عبئًا لا يُطاق.
ها قد تعافى «رجل أوروبا المريض»، ونهض كالعنقاء من بين الرماد، تركيا بلدٌ لا هو شرقيٌّ ولا غربيٌّ، لكنَّه يعني لنا الكثير، بكل انهزاماته وانتصاراته، ولهُ كل التقدير والاحترامِ على تطوُّره الصناعي والزراعي والعلمي، يكفينا فيه الإنصات لعذوبة الأذان، وقباب الجوامع، وأصوات النوارس.
السُياح والمهاجرون العرب في أرجاء أوروبا وبريطانيا وأمريكا، عانى أجدادهم ويلات الاستعمار من تلك الدول، لكن النفوس تغيَّرت وتشافت، وآنَ لها العيش في سلامٍ ووئام.
لا تلعنوا الاستعمار، بل تأملُّوا النهضة بعد كل انكسار.

[email protected]

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X