fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. مجمع اللغة العربية.. ليس ضرورة حتمية

مجامع اللغة العربية القائمة لم تستطع حماية اللغة من اللهجات العامية

الحماسة التي تنتابنا حين الحديث عن اللغة العربية لها مبرراتها التي لا تخفى على أحد، فنحن أمة القرآن الذي أُنزل بلسان عربي مبين، وأدبياتنا العربية حافلة بالإشادة باللغة العربية والمحافظة عليها، خاصة في السنوات الأخيرة حيث تتعرض لغتنا لأخطار عديدة، نتيجة الهجمات الشرسة التي تتعرض لها من خلال الغزو الثقافي الذي تتعرض له الأمة، ومن خلال ضعف الاهتمام بها في المناهج التعليمية في البلدان العربية المختلفة، إضافة إلى التشبث باللهجات العامية التي تسربت حتى إلى لغة الأدب بعد أن كانت مقتصرة على لغة التخاطب.
وجهود دولة قطر في خدمة اللغة العربية لا يمكن أن تنسى، سواء ما كان منها مباشرًا عبر مؤسساتها التعليمية والثقافة، أو غير مباشر من خلال الدعم السخي الذي تقدمه لأي مشروع عربي يخدم اللغة العربية بشكل أو بآخر، وهي جهود تقتضي بالضرورة تكاتف المؤسسات الأهلية مع الدولة للقيام بأي جهد قد يخدم اللغة العربية، ويسهم في حمايتها.
فالدعوة إلى الاهتمام باللغة العربية لها ما يبررها لمواجهة الواقع الواهن الذي تعيشه لغتنا الأم. لكن هل ذلك يبرر الدعوة لإنشاء مجمع للغة العربية في قطر؟ وهل يمكن لهذا المجمع أن يحمي اللغة العربية من ذلك الوهن؟ ثم هل تتوفر لدينا البنية الأساسية لهذا المجمع وأقصد هنا الكوادر العاملة في هذا المجمع؟ أم سنلجأ إلى الاستعانة بالخبرات الوافدة؟
مثل هذه الأسئلة لا بد أنه ورد على أذهان بعض المهتمين باللغة العربية والحريصين على حمايتها من الأخطار التي تتعرض لها، إلى جانب الدعوة لتطويرها كي تواكب العصر ومستجداته المتسارعة.
في رأيي المتواضع أجد أن وجود مجمع جديد للغة العرب في قطر أو في غيرها لن يضيف جديدًا ولن يقدم ما يمنح اللغة قوة إضافية تنقذها من الأخطار المحيطة بها، فمجامع اللغة العربية القائمة لم تستطع حماية اللغة من اللهجات العامية أو تطويرها أو درء بقية الأخطار عنها، وجميع ما أنتجته مجامع اللغة العربية ظل محفوظًا في أضابيرها، ولم يقدر له الوصول إلى عامة الناس، ولا حتى إلى خاصتهم، وظل الأمر على ما هو عليه، وربما أصبح أسوأ، بتأثير إيقاع الحياة العصرية وما حملته من مفردات لا علاقة لها باللغة العربية لكنها استوطنت جميع الدول العربية دون استثناء، لتصبح جزءًا ليس فقط من لغة التخاطب، بل أيضًا وحتى لغة الأدب وصلَها هذا المدُّ الجارف من المفردات الأجنبية الوافدة، وبقيت كل تلك المجامع عاجزة عن تقديم الحلول الناجعة لمعضلات اللغة العربية، ولن يختلف وضع أي مجمع جديد عما سبقه من مجامع اللغة في مخرجات مؤتمراتها وأعمالها الروتينية.
نعم نحن نستطيع أن ننشئ مبنى جميلًا للمجمع، ونستقدم له علماء اللغة من كل الأقطار، لكن ما هي النتيجة لكل هذا الجهد؟ وماذا سيقدم هذا المجمع غير ما قدمته المجامع السابقة، والقائمة في بعض البلدان العربية منذ عشرات السنين، وكأن القائمين عليها لم يدركوا بعد أن اللغة لا تحتاج إلى قرارات تحفظ في الأدراج حتى يتراكم عليها الغبار وتُنسى، بل تحتاج إلى ممارسة تبدأ مع الفرد منذ طفولته، من خلال ما يتلقاه في المدرسة أمام ما يقرؤه أو يشاهده في الإعلام من برامج، ما يعني تجريع المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية بالكثير من مقومات العناية باللغة العربية، لتصبح متداولة بين الناس لا محفوظة في الأدراج.
مسؤولية العناية باللغة تقع على عاتق الجميع: التعليم والإعلام وهما أساس التعليم التلقائي لدى الأطفال والأكثر تأثيرًا على ثقافة وتربية الأجيال الجديدة، لتصبح اللغة لدى هذه الأجيال ممارسة عفوية خالية من عوامل الضعف، وقادرة على التصدي للمفردات الأجنبية الوافدة. وهذا لن يتم عبر مجمع لغوي، ولكن عبر مؤسسات تعليمية وإعلامية تأخذ على عاتقها مهمة المحافظة على اللغة العربية فهي لغة القرآن: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وليست مجامع اللغة العربية.

 

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X