fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. العنف الأسري وسوء الفهم

ليس من العنف الأسري أن تربي أولادك لكي لا يخرجوا عن طاعة خالقهم

ما أكثرَ الشعاراتِ البراقة التي قد تبدو في ظاهرها الرحمة، لكن في باطنها العذاب، ومن هذه الشعارات ما يتعلق بالأسرة مثل شعار «مكافحة العنف الأسري» الذي ما زال يتعرض لسوء التفسير، وما يعنيه من سوء الفهم وَفق المفاهيم السائدة في كل مجتمع على حدة، وهذا يعني أن ما ينطبق على مجتمع ما في هذا المجال، قد لا ينطبق على مجتمع آخر، فلكل مجتمع ظروفه وعاداته ومعتقداته، لدرجة يصعب معها الوصول إلى مفهوم عام للعنف الأسري، بينما هناك مفاهيم أخرى مستمدة من أصول تختلف باختلاف المجتمعات، فهو في المجتمعات الغربية يجرد الأب من سلطته في الأسرة، ويتيح لكل فرد في الأسرة الاستقلال الذاتي قبل بلوغ سن الرشد، الأمر الذي لا يمكن قبوله في المجتمعات المحافظة التي ترتكز فيها المفاهيم التربوية على قيم راسخة تتقيد بمفاهيم دينية لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، بعد أن أثبتت قدرتها على تنظيم سير الحياة في هذه المجتمعات، وصد تيارات التغريب عنها، بحكم الحصانة الدينية التي تتمتع بها وتتمترس بتعاليمها لمنع الرياح الفاسدة من التسرب إلى كيانها المحصن بالدين دون سواه. وانزياح الرعاية الأسرية عن دورها في حماية أفراد الأسرة من الأخطار المُحدقة بها، أدَّى لكثير من المشكلات والمعضلات الاجتماعية الخطيرة، إذا أدركنا أن الرعاية الأسرية لا تعني فقط توفير لقمة العيش لأفراد الأسرة، بل تعني أيضًا المحافظة على كيان الأسرة من أي أخطار وافدة، والتصدي لبوادرها قبل أن تستفحل وبوسائل الردع المجدية التي قد تسمى عنفًا أسريًا وهي لا تخرج عن كونها مجرد توجيه، وحرص على سلامة الأسرة وحمايتها من الأمراض الاجتماعية التي أصبحت من سمات العصر وظواهره الطاحنة في معظم المجتمعات.

وكيف يتساوى -في ظل مصطلح العنف الأسري- الاعتداءُ بالضرب أو القتل أو السجن أو استعمال أدوات التعذيب التي تترك آثارها في نفوس وأجساد الأطفال؟ كيف تتساوى تلك السلوكيات المنحرفة، مع التوجيه والمنع عن الوقوع في الخطيئة، بالوسائل السلمية التي لا تترك أثرًا نفسيًا أو جسديًا على أفراد الأسرة خاصة الصغار منهم، ودون إفراط في استخدام أدوات التربية المتاحة، بعيدًا عن العنف المؤدي إلى الضرر، وليس من العنف الأسري أن تربي أولادك لكي لا يخرجوا عن طاعة خالقهم، ولا يتمردوا على قيم مجتمعهم، ولا يعبسوا في وجوه والديهم، بالتنمر وتخطي الآداب والأخلاق الفاضلة، وتجاوز ما أمر الله به من واجبات، هدفها صيانة المجتمع من الأخطار والانهيار القيمي الذي بدأت تلوح نُذُره وتفوحُ رائحتُه، تحت عنوان مكافحة العنف الأسري.

لا أحد يقرُّ العُنف الأسري بصيغته الوحشية وصفته العدوانية، ذلك العنف المؤدي إلى نتائج سلبية قد تستمر مع الفرد طوال عمره، لتنغَّص عيشه وتنكد حياته، لكن هذا لا يعني ترك الحبل على الغارب، بمنع الأبوَين عن تربية الأولاد بالأساليب التي تضمن استقامتهم أسريًا ومجتمعيًا ووطنيًا ودينيًا وفي أجواء تسودها المشاعر الوالديَّة الفياضة والمُفعمة بحنان الأم وعطف الأب، ودون تسلط من الوالدين أو أحدهما. وكما نرفض العنف الأسري، فإننا نرفض أيضًا التسيب في التربية بحجة الابتعاد عن العنف الأسري، فالمُحصلةُ النهائية لهذا التسيب، تنمُّرُ الأولاد وخروجهم ليس على طاعة والديهم فقط، بل على تعاليم دينهم، وهي النتيجة التي لا يمكن قبولها من الأسرة أو المجتمع، وهما أول المتضررين من هذا العصيان المرتكب بحجة رفض العنف الأسري، مع أن هذا الأمر لا علاقة له بالعنف الأسري من قريب أو بعيد، والأوْلى أن يسمى الإصلاح الأسري ما دام سيضمن استقامة الفرد وسلامة المجتمع.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X