fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك.. رحلةٌ في غياهب النّفس

الرّحلة ليست سفرًا في الجغرافيا فحسب.. إنّها رحلةٌ في أعماقنا لاكتشاف هذا العالَم الّذي يضجّ فينا

حينَ هبط آدمُ على الأرض بدأ الرِّحلة، بحثَ عن حَوَّاء، وأرادَ أنْ يكتشف هذا العالَم الجديد الّذي حَلَّ فيه. الرّحلة بدأتْ مع الإنسان الأوّل، نحن على سَفَرٍ دائم كما قالتْ رواية (حديث الجنود): «إنَّنا على سَفَر، مُرتحِلون منذُ وُلِدنا، نتعب ولا راحة إلَّا إذا باغَتَنا الموت. نسير إلى الغايات، كلَّما ظننَّا أنَّنا صرنا على شفا حُلُمٍ منها ابتعدتْ عنَّا، وأمعنتْ في الغياب السّرمديّ. نسير ولكنْ في أيِّ دربٍ وإلى أيِّ مُنتهَى!!». نحنُ مشَّاؤون كما قالتْ رواية (أرض الله): « نحنُ مَشَّاؤون يا أخي. مَنْ سار إلى الله لن يَزِيغ. ماذا تأخذُ الدّنيا منكَ في سيرِك الحثيث إليه؟ بعضَ جسدك؟ تعبَك؟ سهرك اللّيالي؟ غُربتَك؟ نأيَك عن الأهل والأوطان والأحباب؟ وَمَنْ قال إنَّ السَّير إلى الله لن يفعل ذلك بِنا؟ نَحنُ مَشَّاؤون يا أخي. نحنُ سائرون لا يَثنينا عن المسير إلاّ أن نصل، وأنْ نُريح في أفيائه أرواحَنا، ومتّى ستصلون إليه؟ لا يعنينا متى يا أخي، كلّ ما يعنينا ألاّ نتوقّف» .

الرّحلة ليست سفرًا في الجغرافيا فحسب، إنّها رحلةٌ في أعماقنا كذلك لاكتشاف هذا العالَم الّذي يضجّ فينا، العالَم الّذي يكون ربّما أكثر اتّساعًا من الجغرافيا والوِهاد والمَهامِه والمَفاوز الّتي نَقضِي فيها عُمرَنا المقدور. لم يكنِ (ابنُ بَطُوطةَ) يفعل ذلك لأنّه يريد أنْ يرى غرائب العالَم، كان يريدُ أنْ يرى غرائبَ نفسه، ونحن نفعل ذلك لنرى الغرائب والعجائب فينا قبل أنْ نراها في المكان أو في الإنسان الّذي خارجنا. المتنبّي كان رحّالةً من طرازٍ فريدٍ هو الآخر، ولعلّ الاهتِمام بشعره مِمّن جاء بعده غَطّى على الاهتِمام برحلاته الّتي كانتْ أعجبَ من شِعره، أو جعلتْ شِعرَه عجيبًا، ولعلّه عبَّر عن ذلك في قوله:

تغرّبَ لا مُسْتَعظِمًا غيرَ نَفْسِهِ

ولا قابِلاً إلاّ لخالِقِهِ حُكْما

ولا سالِكًا إلاّ فُؤادَ عَجاجةٍ

ولا واجِدًا إلاّ لِمَكرُمةٍ طَعْما

يقولون لي ما أنتَ في كلّ بلدةٍ

وما تَبْتَغِي؟ ما أَبْتَغِي جَلَّ أنْ يُسْمَى

وانظرْ إلى استِخدامه (ما) في البيت الأخير بدلًا مِن (مَن)، ف (مَنْ) ضيّقة محدودة، و(ما) واسعة مُمتدَّة، إنّه هو نفسه يحاول أنْ يعرفَ مثل الآخرين (ماهيَّته) هذه الَّتي يتعجَّب منها!

نعم؛ من أجل هذا النّداء الدّاخلي أنا لا أكفّ عن التّرحال. لقد قضيتُ حياتي رحّالة يبحث عن نفسه، بحثتُ عنّي في كل مكان، سافرتُ إلى بلادٍ كثيرة، وحلمتُ أحلامًا كبيرة، وظللتُ أطاردُ شيئًا لا أدري ما هو حتى عرفتُ أنني أطاردُ ذاتي، وأبحثُ عَنّي فِيّ، كُلُّ رحلة كانت رحلةً لاكتِشاف ما أنا قبل أن أكتشف مَنْ أنا… لقد تِهتُ كثيرًا في رحلة البحث تلك، ولكنّ أكثر متاهة دخلتُها هي ذاتي… ذاتي الّتي تضجّ فيها كُلُّ جارحة بسؤال الوجود والحقيقة… ولليوم ما زلتُ أحاول أن أجد نهاية لهذه الرحلة أو معنى، ولكنني أخفق… وما زلتُ آمل أن أجد في نهاية النَّفقِ الطّويل المُظلم ضُوءًا ولو كان شحيحًا أُطلّ فيه عَلَيّ… لقد كنتُ أعمى، لكنّ عماي لم يمنعني من الأمل أنني يومًا ما سأبصر وسأرى ما أريد.

هل ينتهي هذا التّرحال؟! إذا كانت الحياةُ تنتهي، الكونُ ينتهي، الوجودُ، المساراتُ البعيدة، الرّوحُ القَلِقة… كلّ شيءٍ ينتهي؛ لا بُدَّ. الطّرق المسدودة كثيرة، والنّهايات المُفاجِئة أكثر، كلّ ما أدعو به الله ألاّ تنتهي رحلتي قبل أنْ يُمكّنني من قول كلّ ما كنتُ أريدُ قولَه. أنا لا أريدُ أنْ ينتهي بي الأمر كما انتهى بامرئ القيس في قوله:

وقد طوَّفتُ في الآفاق حتّى

رَضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ

الأردنّ

 

 

[email protected]

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X