fbpx
كتاب الراية

خواطر مسافرة.. في اليمن.. هُدنة هشة وعلم يداس !

لم يلمس اليمنيون فارقًا يمكن البناء عليه بين سنوات الحرب وأشهُر الهدنة

ولا تزال عجلة الهُدنة في اليمن تدورُ مُحدِثةً الكثيرَ من الضجيج الإعلامي والأممي، والاهتمام الدولي والإقليمي بين من يصفها بالهشة وبلا جدوى ولا أجندة واضحة تؤدّي لإنهاء الصراع، ومن يعتبرها هدنةً إنسانيةً ومن يصفها زورًا بهدنة تُمهّدُ لسلام شامل ووقف للحرب، تبشر بانبعاث يمن جديد خالٍ من المنازعات والخلافات والحروب الأهلية التي تغذيها دول ومصالح خارجية وتمدها بالسلاح والمال وما تيسر من الشعارات والعناوين البراقة والمثيرة على وسائل الإعلام والصحافة، في حين لم يلمس اليمنيون تغييرًا يُذكر أو فارقًا يمكن البناء عليه بين سنوات الحرب وأشهر الهدنة، إذ تزايدت معاناتهم المعيشية واستمر انعدام الخدمات وارتفاع جنوني للأسعار وفوضى في المنظومة المصرفية، والمنظومة الحكومية والمنظومة الخدماتية، ونهب منظم للمساعدات الإنسانية وتفشي الجوع والفقر والمرض.

حتى رئيس الدولة العظمى جو بايدن من فرط سعادته بتجديد الهدنة في اليمن شهرين إضافيين صعد على منبره الشهير ليهنئ الشعب اليمني بهدنة لم يرَ هذا الشعب منها ولا قبلها بصيص ضوء في آخر نفق الحرب الكارثية لسبع سنوات، وربما يبقى النفق مُظلمًا إلى أن تسوي الأطراف الإقليمية أوضاع علاقاتها ومصالحها، وحتى تمر الانتخابات الأمريكية النصفية لمجلسي الكونجرس مرورًا كما يتمناه بايدن ويتطلع إليه حزبه الديمقراطي، حيث بات لديهم هدنة أخرى في اليمن يمكن الحديث عنها مثل اغتيال الظواهري في منزل مجاور للسفارة الأمريكية في كابول، وزيارة بيلوسي إلى تايوان لإغضاب الصين أو لتصغيرها، وكل هذه القضايا تندرجُ في الأجندة الانتخابية في أمريكا.

والحاصل أن واشنطن والمجتمع الدولي والأطراف المتحاربة في اليمن يعلمون يقينًا أن هذه الهدنة لن تغيرَ شيئًا ولن يتحقق منها شيء لمصلحة اليمن وشعبه لو استمرت ألف شهر وألف سنة كما هي عليه اليوم، ولن تغير من الأمر شيئًا وربما تصبح غطاءً لسيناريوهات مُفزعة يجري تسخينها على نار هادئة وبعيدًا عن ضجيج الحرب وهدير المدافع، والمفزع هنا أن تخلصَ تلك السيناريوهات إلى تفتيت اليمن وتقسيمه وتمزيقه ليصبحَ بلدًا منسيًا لا يُرمى حتى بحجر.

عَلَم اليمن يُداسُ بأقدام يمنية !

أن يُداسَ علم الجمهورية اليمنيّة بأقدام يمنيين في مشاهد مقززة أعقبت القتال في محافظة شبْوَة الأسبوع الماضي بين فصيلين متصارعين، فهذا ما كان ينقص المشهد اليمني من بشاعة المنظر وسوء المنقلب، وكأن علم الجمهورية اليمنية والشعب اليمني باتا يتيميْن مكشوفَيْ الظهر ومنكسريْن وبلا قيمة عند هؤلاء الجهلة ممن لا يجيدون سوى القتل والبلطجة ولا يتقنون سوى الإساءة لوطنهم والنيل من مقدسات شعبهم، أنا شخصيًا ضد أي إساءة من أي كان بحق علم أي دولة، لأن ذلك يعني الإساءة لشعب هذه الدولة، حيث يعتز كل شعب بعلم وطنه ويجلّه ومستعد للموت دفاعًا عنه وتحت ظله، ومثل هذه الممارسات لا تعبر إلا عن ضحالة مرتكبيها وضعف انتمائهم الوطني.

علم الجمهورية اليمنية التي باتت دولة الوَحْدة بين شطري اليمن عام ١٩٩٠ محل اعتزاز وفخر للشعب اليمني على طول البلاد وعرضها، وأقره في الاستفتاء على دستور الجمهورية اليمنية في عام ١٩٩١، ولأكثر من ثلاثة عقود وقفت أجيال وأجيال لهذا العلم احترامًا وإجلالًا وتعبيرًا عن السيادة والشموخ والإباء الوطني والانتماء للهُوية الوطنية بكل ما تعنيه من عزة وكرامة وكبرياء اليمن -أرضًا وإنسانًا- واعتزازهم بوطنهم مهما كانت الخطوب والمحن ومهما بلغت حدة الصراع والمنازعات والحروب بين أبنائه، وهذا العلم هو جزء من هُوية اليمن وعنوان سيادته ولواء وحدته الوطنية، والمساس به صورة من صور الانحطاط الأخلاقي ويرتقي إلى السلوك الإجرامي بحق شعب بأكمله، والغريب العجيب أن لا حكومة عدن ولا حكومة صنعاء حركتا ساكنًا، وكأن الأمر لا يعنيهما، ولكننا نقول إن حروبكم تعنيكم وحدكم، أما المساس بعلم وطننا فيعنينا ولن يغفر الشعب والتاريخ لتلك الأقدام القذرة وهي تدوس على أشرف وأعظم راية رفرفت في سماء اليمن عبر التاريخ.

صحافي وكاتب يمني

[email protected]

@fmukaram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X