fbpx
كتاب الراية

تجربة حياة ….كَرمُ الله سبحانه وتعالى في الستر

لا يمكن للعلاقات الإنسانية أن تبقى وتستمر لولا ستر النيَّات وخلجات النفس؟

الحمدُ للهِ على جميعِ نعمِه وواسعِ كرمِه، خلقنا وتولَّانا ولم يتركْنا للدنيا غرضًا ولم يمنَّ علينا في جميع الأحوال إلا بالستر والرحمة.

إننا نعلمُ علمَ اليقين أنَّ جهاد النفس هو أعظم جهاد يخوضه الإنسانُ في حياتِه، إذ على خلاصة هذا الجهاد يتأسس منهج الفكر نحو تحديات ومغريات الحياة، يتحدد خط الالتزام الديني والأخلاقي وتتكشف شكليات التصرف ومغزى العمل. هو جهاد عظيم أولًا؛ لأنَّ المسافة التي تفصلُنا عن النفس الأمَّارة بالسوء هي معدومة، إنها جزء منا ونحن الكل منها، ولا بدَّ لأي صراع بيننا وبينها أن يختتم، وقد أُنهكت قوانا معًا ليبقى بيننا منتصر واحد، إما نحن فنمسكُ- بانتصارنا وجهادنا- زمامَ التحكم بالنفس، وإما هي فتغلبنا بالميل نحو المغريات والهَوَى.

ومن بين ما قد تحمُله النفسُ من تخبُّطات في ميلها وفي أهوائها، التأثير على مقاصد النية وعلى ما يختلج بداخلنا من شعور، فتعمل عن غير قصد منَّا لتوجهنا نحو ما يستهويها من حديث داخلي، وما يغمرها بالسعادة، وهنا يكون ستر الله على ما حملته إلينا من أفكار وما حاولت هيكلته من نيَّات، وإن ذلك لهو من أعظم أنواع الستر التي أكرم الله بها بني البشر، إذ لم يجعل شدنا وجذبنا معها ظاهرًا للآخرين بما يؤثر على العلاقات على اختلافها ويجعلها عرضة للتباعد والتنافر.

إنَّ خطر النفس وقدرتها على تزيين ما تهواه أمرٌ لا يفترض أن يستهان به أبدًا، فهي قادرة -إن نغفل عنها ونتركها دون تهذيب وضبط- على زعزعة ثباتنا فكرًا والتزامًا، وعلى توجيه نيَّاتنا نحو ما لا يتوافق مع قناعاتنا ومع معاني الخطأ والصواب في حياتنا.

كم أن الله سبحانه وتعالى رؤوف رحيم بنا حتى يستر علينا في معركتنا هذه – التي لا تلبث أن تهدأ أوزارُها حتى تعود- ما خالجنا من نيَّات وما داخل القلب من مشاعر وهذه الرأفة والرحمة هي ما يقينا شرورًا قد لا يكون بالمقدور ردها فيما لو كُشف الغطاء عن تلك النيَّات التي أبرزها صراع النفس وتلك المشاعر التي رافقتها.

ويبقى من أعظم أنواع الستر الذي أكرم الله -سبحانه وتعالى- به ابن آدم، هو ستر النيات وخوالج النفس وما في حنايا القلب! لولا سترها ما كان لأحد أن يبقى على وفاق مع أحد، وما كان للعلاقات الإنسانية أن تبقى وتستمر! ولأنه سبحانه وتعالى أعدل العادلين، لم يترك النيات دون رادعٍ، بل حاسب عليها بأن جعلها مقياسًا يرتبط بقبول الأعمال لتكون بالنيات… ! ما أكرم الله وأعدله حتى ما أخفاه عنا بالستر رأفة ورحمة لم يغفل عنه بالمحاسبة حكمةً وعدلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X