كتاب الراية

سطور شاردة.. البيئة وطبائع البشر

علاقة الإنسان بالطبيعة علاقة تبادليَّة بامتياز

كثيرًا ما نسمعُ مقولة مفادها أن «الإنسان ابن بيئته»، أي إن البيئة هي التي تصنعُ الإنسان وتُحدّد تصرفاته وأفكاره، وتُساهم أيضًا حتى في صحته وجسده. فهل تأثير البيئة والطبيعة حقًا موجود وكبير على الإنسان؟ وكيف يكون هذا التأثير وما حدوده؟

كثير من الأبحاث يُؤكد أن علاقة الإنسان بالطبيعة علاقة تبادليّة بامتياز، فالإنسان في صراعٍ دائمٍ مع البيئة لتطويعها واستغلالها واستثمارها، ومن أجل تفادي غضبها وتجاوز كوارثها التي تباغته بين الفينة والأخرى. كما أن البيئة الطبيعية ذات تأثير مباشر -أو غير مباشر- في حياة أية جماعة حية من نبات أو حيوان أو إنسان.

فالبيئة ونوع الطبيعة (صحراء، يابسة، بحار، غابات، سهول..) تُسهم بشكل كبير في نمو الإنسان جسديًا وصحيًا، ثقافيًا وفكريًا، وسلوكيًا. فإذا ما نظرنا إلى هذا التأثير من زاوية اجتماعية بحتة فسنجد أن بعض النظريات الاجتماعية أكَّدت وجودَ هذا التأثير، حيث انتبه علماءُ الاجتماع منذ فترة مُبكرة إلى أن سكان البادية والمناطق الجبلية يتأثرون بقسوة الطبيعة وخشونة الطعام الذي يأكلون والمركب الذي يركبون، ما يكسبُهم قسوة في الطباع، وخشونة وجَلَدًا، وشدة لا يتصف بها سكان الحضر الذين يميلون غالبًا إلى النعومة والدّعة والرّقة واللّين، تبعًا لتأثير المكان والمسكن والمأكل والمركب، وهذا ما يسمّى بالتأثير البيئي.

ولعل من الآثار الواردة في ذلك أن «النبي صلى الله عليه وسلم حين وُلد أرسلَتهُ أمه -كما هو مشهور في سيرته عليه السلام- إلى امرأة في البادية تسمى حليمة السعدية لترضعه، وذلك ليرضع شجاعة أهل البادية وقوتهم». وأيضًا القصة التي جاء فيها أن رجلًا قتل مئة نفس ثم أرشده عالم إلى أن يتوب وقال له «لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء»، أي إن البيئة مهمة جدًا في تغيير السلوك وضبطه.

وكذلك قصة عليّ بن الجهم مع المُتوكل «حيث قدم علي بن الجهم، وكان بدويًا جافيًا على المتوكل العباسي، فأنشد قصيدة، منها:

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو، لا عدمناك

دلوًا من كبار الدلاء كثير الذنوب

وكاد الحرس أن يقتلوه، ولكن المتوكل عرف حسن مقصده وخشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبه به، لعدم المُخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، يتخلله نسيم لطيف يغذّي الأرواح، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف أن يُتعاهد به، فكان -أي ابن الجهم- يرى حركة الناس ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته ومحاضرته، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده، فحضر وأنشد:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.

فحين تغير المكان والبيئة وشكلُ الحياة، تغير المُعجم اللغوي وتغيرت معه الصور الشعرية الموظفة من الشاعر.

ولذلك نجد أن الكتّاب والمُبدعين تختلف كتاباتهم ورؤيتهم للأشياء باختلاف البيئة التي يعيشون فيها، وهذا ما خلف لنا أدبَ الصحراء وأدبَ البحر وأدبَ المهجر، وغيرها من أصناف الكتابات الأدبية التي تمتاح من البيئة، وتتأثر بها بشكل ظاهر وكبير. وهكذا فأهمية معرفة علاقة البيئة بالإنسان وتكوينه تكمن في أن نفسرَ سلوكيات بعضنا بعضًا ونتفهمها، كما أن ذلك مهم جدًا في تغيير علاقتنا بالبيئة فلا نستنزف الطبيعة ولا نؤثر فيها سلبيًا، لأنه في الأخير هو تأثير على أنفسنا وعلى أجيالنا القادمة.

 

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X