كتاب الراية

بيني وبينك.. القدس في الشِّعر العربي (1/ 3)

القُدسُ كانت مهوى أفئدة الشعراء وبوصلة عشقهم ومنارة كلماتهم وذَوْب أفئدتهم

لم تحظَ مدينةٌ من مُدُنِ العالَم بعَبَقِ القصائد الجائِشات بالعشق كما حظيتِ القُدس، رُبَّما كانتْ هناك مُدُنٌ تغنّتْ بها القصائدُ الشّاردات، وكان لها من الشّعر نصيبٌ، فأمّا كنصيب القُدسِ فلا. فلو أردتَ أنْ تقرأ الشّعر الّذي قِيْلَ في بغدادَ مِثالًا، فستجد عشرات النّماذج منه، أو حتّى المِئات مبثوثةً في قصائد مَنْ أحبُّوها كالجواهريّ في قوله:

أَبَغْدَادُ اذْكُرِي كَمْ مِنْ دُمُوعٍ

أَزَارَتْكِ الصَّبَابَةَ وَالغَلِيْلا

جَرَيْنَ وَدِجْلَةً لَكِنْ أُجَاجًا

أَعَدْنَ بِها الفُرَاتَ السَّلْسَبِيْلا

وفي البيتِ الأخير تَلْمَسُ نَفسَه الثّائرة النّاقِمة، فنَهران من أنهار الجنّة هما دِجلة والفُرات يسيلان أجاجًا بدل أنْ يتدفّقا عَذْبَين نَمِيرَين.

وأمّا دمشقُ الّتي تُعدّ أقدمَ مدينةٍ في التّاريخ، وهي حاضرة الأمويِّين، وفيها تنافَرَ شُعراء النّقائض الفرزدق والأخطل وجرير، فإنّها لم تحظَ من الشّعراء بالحبّ أكثر مِمّا حظيتْ به من نزار قبّاني الّذي غنَّى لها جُرحَه كلّه، فقال فيما قال:

يا دِمَشْقُ الّتي تَفَشَّى شَذَاهَا

تَحْتَ جِلْدِي كأنَّهُ الزَّيزَفُزنُ

قادِمٌ مِنْ مَدائِنِ الرّيْحِ وَحْدِي

فَاحْتَضِنِّي كَالطِّفْلِ يا قَاسَيُونُ

أَهْيَ مَجْنُوْنَةٌ بِشَوْقِي إِلَيْهَا

هَذِهِ الشّامُ أمْ أَنا المَجنُونُ؟!

ونحنُ نشهدُ يا (نزار) أنّكَ كِلاكُما مريضٌ بصاحِبِه، وأنَّ لا فَرْقَ بَيْنَ المَجنونَين.

ومع هذا وذاك لم تحظَ بما حظيتْ به القُدس. وهذا ينسحبُ كذلك على عَواصِمَ عربيّة عدّة، كعمّان، وبيروت، والقاهرة، وغيرها..

فأمّا القُدسُ فقد كانتْ مهوى أفئدةِ الشّعراء، وبوصلةَ عشقهم، ومنارةَ كلماتهم، وذَوْبَ أفئدتهم.

لم يمرّ تاريخٌ حافلٌ بالحروب والنّزاعات، ودَفْعُ الله النّاسَ بعضَهم ببعضٍ، كما مرَّ على القُدس؛ فقد جاءها كُلُّ أحدٍ من كلّ صِقْعٍ، وحَطّوا رِحالَهم وجُنودَهم وعتادَهم وحُصُونهم وتاريخهم وإرثهم الحضاريّ في روابيها وحاراتها وعلى جُدرانها، وكلّهم رآها- دون سِواه – عروسَها، وعقدَ لها- فداءً لعينَيها – لِواء الحُبّ، وقدّم الدّماء مهرًا في سبيل الفوز بقلبِها. بدأَت الوجود مع اليبوسيّين والكنعانيّين قبلَ ما يقربُ من أربعة آلاف عامٍ، ووضَع الكنعانيّون فيها لُغتَهم حوالي (1800 ق. م)، ثُمّ هاجرتْ قبائل عربيّة من جزيرة العرب فاستوطنَتْها، أشهرهم – بالإضافة إلى الكنعانّيّين – العموريّون والفينيقيّون والآراميّون، ثُمّ حَكَمها الهكسوس حوالي مئتَي عامٍ ما بين (1700-1800 ق. م)، ثُمّ رَحلُوا. ثُمّ دخلتِ القُدسُ تَحت حكم الإسكندر المقدونيّ عام (331 ق. م) في إمبراطوريَّته المُمتدَّة، غير أنَّها لم تدمْ أطولَ من عشر سنواتٍ، فلمّا تفكّكتِ الإمبراطوريّة أصبحتِ القُدسُ مسرحًا للصّراع بين خلفاء الإسكندر البطالمة حُكّام مصر، والسّلوقيّين حُكّام بلاد ما بين النّهرَين، ثُمّ دخلتْ تحتَ حُكم الرّومان عام (63 ق. م) على يد القائد الرّومانيّ (بومبي)، وفي سنة (70 م) قَمَعَ الإمبراطور الرُّومانيّ (تيتوس) ثورة في فلسطين، وسوّى القدس بالأرض ودمّر مَعبدَها. وفي أعقاب ثورة أخرى ما بين 132م و135م شيّد الإمبراطور (هادِرْيان) مدينة وثنيَّة جديدة على أنقاض القدس، وظلّتْ تحتَ حُكمِ الرّومان إلى أنْ جاءَها الفتح الإسلاميّ عام (13) هجريّة، وكتبَ عمر بن الخطّاب أمانًا لأهلها فيما يُعرَف بالعُهدة العمريّة عام (15) هجريّة، وسلّم بطريركها صفرونيوس مفاتيحها له، وكان اسمُها إيلياء، فسمَّوْها بيتَ المقدس منذئذٍ. ثُمّ جاءتْها الحملات الصّليبيّة، فاحتُلّتْ على يدي الصّليبيّين، في الحملات الصّليبيّة الّتي ابتدأتْ عام 492 ه، 1096م، «وقَتَلَ الفِرَنْجُ بالمسجد الأقصى ما يزيدُ على سبعين ألفًا منهم جماعةٌ كثيرةٌ من أئمّة المُسلمين وعُلمائِهم وعُبّادهم وزُهّادهم، مِمّن فارقَ الأوطان، وجاورَ بذلك الموضع الشّريف»، ثُمّ حرّرها صلاح الدّين الأيوبيّ «في يوم الجمعة الثّاني من تشرين الأوّل 1187م الموافق للسابع والعشرين من رجب عام 583ه وهو اليوم الّذي يحتفل فيه المُسلمون بذكرى إسراء النّبيّ إلى القدس، وفيه كان دخول صلاح الدّين الرّسميّ إلى المدينة المُقدّسة»، وفي التاسع عشر من شباط سنة ١٢٢٩م سَلَّمها الملك الكامل الأيّوبيّ للفرنجة مرة أخرى، وعاد النّاصر داود فحرّرها من جديد، وظلّتْ تحت الحكم الإسلاميّ، وحافظَ عليها العثمانيّون إلى أنْ سقطتِ الخلافة عام 1924م، ثُمّ سقطتِ القدسُ كاملةً في يد الصهاينة في حربَي النّكبة عام 1948م والنّكسة عام 1967م، ولا زالتْ محتلّة إلى اليوم.

يُتبَع..

 

الأردنّ

 

[email protected]

AymanOtoom@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X