كتاب الراية

سطور شاردة.. الفصاحة في زمان الركاكة

من أجمل ما قيل عن قيمة الفصاحة وحسن الكلام وإجادته

يُحكى أن الحجاج بن يوسف الثقفي أمر أحد حرّاسه أن يطوفَ بالليل، فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان يتمايلون وعليهم أثر شراب الخمر، فأحاط بهم وقال لهم: من أنتم حتى خالفتم الأمير؟

فقال الأول:

أنا ابن من دانت الرقاب له  ما بين مخزومها وهاشمها

تأتي إليه الرقاب صاغرة  يأخذ من مالها ومن دمها

فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين.

وقال الثاني:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره  وإن نزلت يومًا فسوف تعود

ترى الناس أفواجًا إلى ضوء ناره  فمنهم قيامٌ حولها وقعود

فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أشراف العرب.

وقال الثالث:

أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه وقومها بالسيف حتى استقامت

ركاباه لا تنفعك رجلاه منهما  إذا الخيل في يوم الكريهة ولت

فأمسك عن قتله، وقال: لعله من شجعان العرب.

فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج، فأحضرهم وكشف عن حالهم فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن فوال، والثالث ابن حائك.

فتعجب الحجاج من فصاحتهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب، فوالله لولا الفصاحة لضربت أعناقهم، ثم أطلقهم الحجاج وأنشد يقول:

كن ابن من شئت واكتسب أدبًا  يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول: ها أنا ذا  ليس الفتى من يقول: كان أبي

نعم الفصاحة وقوة الكلمة أنجت الصبيان من الموت، وجعلت الحجاج يعجب بهم ويمدحهم. وهذا دليل على أن تعلم اللغة السليمة وقوة الخطابة لها تأثير قوي في حياة صاحبها وفي قدرته على التأثير في الغير.

ورحم الله الخليفة هارون الرشيد، فقد أثار في ولده الغيرة على اللغة وقواعدها عندما سمعه يلحن في القول فقال له معنفًا: «أترضى أن يكون لسانك كلسان عبدك أو جاريتك؟ اذهب وأحسن لغتك وقوّم لسانك مع أهل اللغة السليمة في البادية».

فالفصيح والبليغ في اللغة هو الذي يجيد الحديث باللغة وينتقي الألفاظ المناسبة حسب المقام والموضوع، ويتحف مُستمعيه بالكلام العذب الذي لا تمله الأذن ولا تشمئز منه العقول. فالفصيح كالساحر يسحر الأسماع ويجعلها تتقبل كلامه، مصداقًا لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا».

ومن أجمل ما قيل عن قيمة الفصاحة وحسن الكلام وإجادته، ما قاله يحيى بن خالد: «ما رأيت رجلًا قطُّ إلا هبته حتى يتكلَّم، فإن كان فَصِيحًا، عَظُم في صدري، وإن قصَّر سقط من عيني». فكم من رجل تراه بلباسه مهابًا عظيمًا، يسبقه خيلاؤه وتحسبه عالمًا جهبذًا، لكن ما إن ينطق ببنت شفة حتى تتهاوى هيبته ويرجع بلا قيمة. وكم من رجل تحتقره من هندامه وشكله، فتظنه جاهلًا، ولكن ما إن يتحدث حتى تسمع الدر منثورًا من فيه، وتتلذذ بفصاحته.

فلنحاول أن نتعلمَ اللغة ونبحر فيها، وأن نربي ألسنتنا على الذوق الرفيع والكلام الراقي الجميل. فنعلم أولادنا ونحرص على أن يكونوا ذوي لغة سليمة قدر المُستطاع.

ومما أختم به هذا المقال عن أهمية الفصاحة وبلاغة اللسان، تلك الأبيات التي قالها أبو العباس الصولي يمتدح فيها حسن اللفظ وأهمية انتقاء العبارات والكلمات في الكلام:

إِذا ما الفكرُ أضمرَ حسنَ لفظٍ  وأدَّاهُ الضميرُ إِلى العيانِ

ووشَّاهُ ونمنمَهُ مُسَدٍّ  فَصِيحٌ بالمقالِ وباللِّسانِ

رأيتَ حُلى البَيان منوَّراتٍ  تضاحكُ بينها صُورَ المعاني

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X