كتاب الراية
لا الجاه ولا المال ولا النسب ولا الجمال يُحدد قيمتك عند الله

سطور شاردة.. معيار التفاضل في الإسلام

يقولُ المولى عز وجل في كتابه الجليل: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». وقال بعض العارفين عن هذه الآية: «ما أبقى الله بهذه الآية لأحد شرف أبيه». فالله تعالى ينفي كل شيء يُميز الإنسان عن أخيه الإنسان سوى التقوى. فالتقوى كما يعرفها طلق بن الحبيب: «هي أن تعملَ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاءَ رحمة الله، والتقوى ترك معاصي الله على نورٍ من الله مخافةَ عذاب الله». إذن هي حسن الإيمان وحسن الإسلام. ولهذا يقول الشاعر:

لعمرك ما الإنسان إلا بدينه  فلا تترك التقوى اتكالًا على النسب

فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ  وقد وضَعَ الشركُ الشَّرِيفَ أَبَا لهب

فعند الله مقياس واحد، لا ثاني له، مقياس بسيط سهل، وهو طاعته. فليس بين الله وعباده قرابة إلا الطاعة، فلا الجاه ولا المال ولا النسب ولا الجمال يُحدد قيمتك في ميزان الله تعالى، وإنما هي أمور يسيرة لا تتوارث ولا تُشترى ولا تُباع، أمور تتعلق بالعبودية الحقة له عز وجل، تتعلق بأن يصلَ الإيمان للقلب ويصدقه العمل. وأي شيءٍ آخر لا يدل على أن الله يحبك، فلو كنت مُتمتعًا بصحةٍ جيدة أو ملكت أكبر رصيد في العالم، أو كنت أذكى إنسان في العالم، ولم تكن على طاعة خالصة لله؛ فلا قيمة لك عند الله، فالله عز وجل أعطى القوة لمن لا يحب ولمن يحب، وأعطى المال لمن لا يحب ولمن يحب، وكذلك الذكاء والجمال والنسب.

فهذه المقاييس اختصّ الله عز وجل بها بعض خلقه لحكمةٍ أرادها هو عز وجل، لكنها لا ترفع ولا تخفض، ولا يمكن أن تكون أشياء مادية مقياسًا لرضا الله، لأنه لو كانت كذلك لكان ذلك ظلمًا كبيرًا للذين لا يملكونها، وحاشا لله أن يظلم خلقه ويُحملهم ما لا يطيقون. وإنما المقياس الدقيق الذي ورد في كتاب الله هو التقوى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». ويؤكد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي نضرة من خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (يا أيها الناس؛ ألا إن ربكم واحدٌ وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى).

وقد ضربَ لنا الرعيل الأول أروع الأمثلة في تطبيقهم لهذا المقياس، فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه اشترى بلالًا، وأنقذه من تعذيب سيده أمية بن خلف، فبلغ أبا بكر أنهم قالوا: اشتراه منا بسبع أواقٍ، ولو أبى إلا أوقية؛ لبعناه إياه، فقال أبو بكر: (لو أبوا إلا مئة أوقية؛ لاشتريته به). فأبو بكر نظر لبلال التقي النقي وقاسه بهذا الميزان، ولهذا رأى أنه يفوق كل تقييم وكل مساومة.

نعم أخي القارئ هذا هو الإسلام، الناس فيه على خلاف مشاربهم، واختلاف أعراقهم، واختلاف أنسابهم، واختلاف مللهم، واختلاف نحلهم، واختلاف مستوياتهم الاقتصادية، والثقافية، والفكرية، والاجتماعية، والعرقية. لكنهم لا يختلفون في كنههم وقيمتهم. فانظر معي لهذا الحديث الشريف الذي يُكتب بماء الذهب كشعار للعدل والمساواة الحقيقيتين بين الناس، (أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب). نعم هو نفس الأصل ونفس الخالق ونفس الأب.

فلم نجد بيننا الآن من يتفاخر على غيره بالمال أو الجاه، ومن يختار الناس بمقياس الماديات والتقاليد الجاهلة، كما يقول إيليا أبو ماضي:

يا أخي لا تمل بوجهك عني  ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

أنت في البردة الموشاة مثلي  في كساء الرديم تشقى وتسعد

 

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X