fbpx
كتاب الراية

خواطر.. خارج الميدان

حتى شروط القبول في الجامعات والوظائف أصبحت شبه مستحيلة

منذُ زمانٍ بات بعيدًا جدًّا، ورغبتها في الكتابة والإلقاء كانت جليَّةً لمُعلِّمة اللغة العربية والمسؤولة عن نشاطات المدرسة، كمجلَّة الحائط، وفِقرة طابور الصباحِ المُتنوعة بين حكمةٍ وأُحجيةٍ وطُرفة. آن ذاك.. لم تكن مجرد أحلام، بل كانت واقعًا بسيطًا لِمَن تَجرؤ، لقد حققت في المدرسة ما لم تستطع تحقيقه خارج أسوارها، وكغيرها من الطالبات سردت آفاقها كأنها على بُعد خُطوة منها.

«لا شيء مُستحيلًا»، الشعار الأكثر جدلًا، وتداولًا بين أروقة الأسرة وهيئة التعليم، بإمكانك الحصول على الدرجة النهائية إن اجتهدت، بإمكانك العمل في وظيفة كذا إن تخرَّجت، وتمرُّ السنوات.. ويظهر الجدل على حقيقته، ما الفائدة من دراسة تخصصٍ كهذا، نحن في مُجتمع لا يرحم، مهما تعلَّمتِ فالزواج مصيركِ، وعليكِ تعلُّم كل ما يفيدكِ كأم وربَّة منزل. الحياة مسؤولية جسيمة، سوف تصبح رجلًا وربَّ أسرة، يجب أن تكونَ قدوة لأبنائك، الرياضة ليست مهنة، الخياطة والطبخ والرسم وظائف لا تليق بالرجال.

وبعد فترة..

لا.. من المُستحيل الجمع بين تلك الوظيفة ومهامك الأساسية.

هذا العريس ليس مُناسبًا، من المُستحيل أن يقبلَ به والدك.

هذه الفتاة لا تعجبني، من المُستحيل أن أرضى بها زوجة لك.

بيئة العمل تلك لا تُناسبنا، من المُستحيل أن تكوني بين هؤلاء.

حتى شروط القبول في الجامعات والوظائف، أصبحت شبه مُستحيلة، أما الزواج فانضم لقائمة المُستحيلات، بعد أن كان الطلاق من سابع المُستحيلات.

وفي زمنٍ آخر، زمن مُختلف المعايير، وبينما تتلو رقيةً تقيك شرَّ نفسِك وذويك قبل غيرهم، وتتأرجح بين كل ما رأوه مُستحيلًا، وكان عليك هيِّنًا، تُدركُ أنَّك لم تستخدم حقوقك، لم ترفض بقوَّة، ولم تطالب بقوَّة.

ففي كل مرَّة أرَدْتَ أو رَفَضْت، رفعوا شارة المُستحيل، وتراجعت لإرضائهم. هُم لم يغدروك، لكنهم راهنوا بك فرسًَا في ميدانهم المُغلق، فالنياشين مصدر سعادتهم.

أنت اليوم في زمن مُنظمات حقوق الإنسان، والإنترنت التي منحتك اطلاعًا شاملًا، وجوازَ سفر عالميًا، مصباح علاء الدين بين يديك، ولكلٍّ منبره الحُر، ورأيه المسموع، وخطوط ساخنة تمنح الأبناء حق الاستنجاد بمن يحميهم منك قبل غيرك، فعلًا «لا شيء مستحيلًا»، عَلّهُم يُجيدون حمايتهم من الفواحش والميول الرديّة قبل أي شيء آخر.

هي لم يُحالفها الحظ للعمل في الإعلام، لكنها اليوم شخصيّة مؤثّرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولها مُطلق الحريّة في تقديم ما تراه مُناسبًا دون قيود المؤسسات الإعلاميّة.

هو لم يدرس الموسيقى، لكنَّ لديه موقعًا إلكترونيًا ويبث لجماهيره سيمفونيات بلا جوقة ولا مُلحّنين.

أكثر من عشرين مليونًا يُتابعون طاهي الطهاة، ويؤدون له تحيات الاحترام والتقدير.

ومجهولٌ لا نعرف أصله من فصله، اخترع عملةً رقميّةً، ليغتني ويُغني الكثيرين، مُحدِثًا نقلةً نوعيةً أجبرت المصارف على سَنّ قوانين مبنيّة للمجهول.

إذًا لا بأس عليك اليوم، بغضّ النظر عن عُمركَ، فحقق ما استطعت، وبمشيئة الله، لا شيء مستحيلًا.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X