fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك.. القدس في الشعر العربي (3/ 3)

الشّعراء رَسَمُوا صورةً للقُدْسِ حزينةً فهي الأم الباكية الذبيحة الجريحة

لم يَنحنِ سميح القاسم إلا للشّعبِ الّذي يستعيدُ القُدسَ بثورته، ولم يُقسِم إلا بلون الدّم، ولم يَروِ الرّايات إلا من دِماء المُناضِلين:

غَيْرَ اللِّواءِ الحُرِّ لا نَتَرَسَّمُ

وَبِغَيْرِ صَكِّ جِراحِنَا لا نُقْسِمُ

وَلِغَيْرِ قُدْسِ الشَّعْبِ لَسْنَا نَنْحَنِي

وَبِغَيْرِ وَحْيِ الشَّعْبِ لا نَتَكَلَّمُ

فَلْتَشْرَبِ الرَّايَاتُ نَخْبَ جِرَاحِنَا

كَأْسًا يَفِيْضُ عَلَى جَوَانِبِهَا الدَّمُ

وسَخِر راشد حسين من الّذين جاؤوا من أصقاع الأرضِ ليشربوا من دماء صِغارنا، ويجعلوا من جماجم ضحايانا حبّاتِ مَسابحهم، ومِنَ الّذين بَكوا لأشلاء الأطفال لكنّهم مشَوا فوقَ جُثَثِهم بالمُصفّحات:

قَالُوا لَكَ: الوَطَنُ المُفَدّى طامِحٌ

حَقٌّ عَلَيْكَ بِأنْ تُحَقِّقَ مَطْمَحَهْ

فَقَطَعْتَ آلافَ الجَماجِمِ باسِمًا

وَصَنَعْتَ مِنْ تِلْكَ الجَماجِمِ مَسْبَحَةْ

وَقَتلْتَ أطْفَالَ الحَيَاةِ قَتَلْتَهُمْ

وَمَشَيْتَ فَوْقَ صُدُورِهِمْ بِمُصَفَّحَةْ

ولقد رَسَمَ داود معلاّ للقُدْسِ صورةً شاعريّة، كأنّما هي لوحةُ عاشق، ربّما انتزَعها من طفولته، حيثُ عاشَ في تلك الرّوابي، فشوارع القُدْسِ تنتظر أقدام أحبّتها، والسُّور يزهو بزهرةٍ تتورّد في جبينه، والقُدسُ حبيبةٌ لا تعترفُ إلا بالرّجال المُنافِحين عُشّاقًا لها:

يا قُدْسُ، يا قُدْسُ طَالَ الوَعْدُ وانْتَفَضَتْ

أجْسامُنا تَحْتَ حَدّ السَّيْفِ مُختَضَبَا

كَمْ شارِعٍ فِي سِوارِ القُدْسِ مُنْتَظِرٌ

أقْدَامَنا وَهْيَ تَعْدُو تَمْلأُ الرُّحُبَا

وَزَهْرَةٍ فِي جَبِيْنِ السُّوْرِ مُزْهِرَةٌ

تَدْعُو الرِّجَالَ إلى أَعْرَافِهَا رَغَبَا

وهو لا يلجأ إذا ألمّتْ به الخُطوب إلا إلى أُمِّهِ القُدس، فيُناديها مُستغيثًا بها. وهو لا يرّى إلا بعينَيها، فهي نور عينَيه، وهو ينتظر الوعد الإلهيّ بالنّصر:

يا قُدْسُ أَنْتِ نِدائِي كُلَّما دَمِعَتْ

عَيْنِي، وأَنْتِ ضِيائِي كُلَّما رَحُبَا

فَنَحْنُ والصَّبْرُ مَرْهُونانِ فِي قَدَرٍ

وَرُبَّ مُقْتَدِرٍ يَجْزِي إِذا وَهَبَا

فَإنْ قَضَيْنَا فَهَذا الأَمْرُ مُنْتَظَرٌ

وَإنْ وَصَلْنَا فَوَعْدُ اللهِ ما كَذَبَا

وفي البيت الأخير يتناصّ الشّاعر مع القرآن في قوله تعالى: «فإذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤوا وُجوُهَكمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كما دَخلُوه أوّل مَرّةٍ». والقُدسُ هي العَيْنُ الّتي تُبصِرُ بها الأُمّة الإسلاميّة، وهي الطّاهرة الّتي لا يُحرّرها إلاّ مَنْ كان على درب صلاح الدّين، وعمر بن الخطّاب:

وَالقُدْسُ عَيْنُ المُسْلِمِيْنَ وَنُورُها

وَلَهَا تُشَدُّ وَتُضْرَبُ الأطْنَابُ

وَلَسَوْفَ يَأْتِيْهَا الرِّجَالُ فَلَمْ يَمُتْ

فِيْنا صَلاحُ الدِّيْنِ والخَطّابُ

وتبدو صورةُ القُدسِ واضحةً في الأبيات الآتية، ففي مياهها تذوب دُموع الشّاعر، كأنّها أمٌّ تُواسيه، وحينَ تضيقُ بالشّاعر الأرضُ بما رحُبَت، وحينَ يفقد الأمان، يلجأ إلى هذه الأمّ ليجدَ عندها ما فقد، وليتّسع في أحضانِها ما ضاق:

أَنَا يَا قُدْسُ مِنْ تُرَابِكِ عَطّرْتُ

جَبِيْنِي، وَنَالَ مِنِّي القَضَاءُ

أنا يا قُدْسُ فِي مِياهِكِ ذَوَّبْتُ

دُمُوعِي، وَمَا لِدَمْعِي انْتِهاءُ

ضَاعَ مِنِّي الأَمَانُ يا قُدْسُ…

وَاحْتَارَ نَهَارِي، وَضَاقَتِ الأَرْجَاءُ

ونختمُ في هذا التّطواف المُنتَقى بأبيات سليم الزّعنون الّذي يرى أنّ قلبَ القُدْسِ قد طُعِن، وأنّ جُرحها قد فاض، لمّا غَرسَ الإنجليز خنجر اليهود فيه:

ذَاقَتْ فِلَسْطِيْنُ نُكْرِ الإِنْجِلِيْزِ بِهَا

وَظَلَّ يُورِدُها فِي مَوْطِنِ العَطَبِ

حَتًّى تَمَكَّنَ شُذّاذُ البِلادِ بِهَا

وَسَاسَةٌ ظَفِرُوا بِالخَتْلِ وَالكَذِبِ

وَقَدْ أَقَامُوا بِقَلْبِ القُدْسِ دَوْلَتَهُمْ

جُرْحًا عَمِيْقًا، وَظُلْمًا طَالَ كُلَّ أَبِي

ولمّا رأى القُدْسَ تصرخ وتستغيثُ بقادة اليوم ولا مُغيث، وتبكي ولا مَنْ يمسحُ لها دُموعَها، استحضر عمر بن الخَطّاب، وما فعله يومَ أنْ فتَحها، وكيفَ طَهّرها من أرجاس اليهود.. فلمّا مرّ كلّ هذا الزّمن، لم يكتفِ اليهودُ بتدنيسها، ولا بالعَيْثِ في بيوتِها وأسوارِها، بل ذهبوا إلى أبعدَ من ذلك، لقد حفروا تحتَها الأنفاق، وهدموا أركانَها:

أَبْلِغِ سَلامِي إِلَى الفَارُوقِ يا عُمَرُ

فَمَا تَبَقَّى لَهُ فِي أَرْضِهَا أَثَرُ

يَعِيْثُ فِيْها عَدُوٌّ حُكْمُهُ دَنَسٌ

والقُدْسُ تَصْرُخُ والآلامُ تنتَشِرُ

يَهْتَزُّ مَسْجِدُهَا الأَقْصَى، وَمَا سَلِمَتْ

أركَانُهُ، تَحْتَهَا الأَنْفَاقُ والحُفَرُ

كان هؤلاء الشّعراء ينطِقون عن عواطفهم، ويكشِفون عن قلوبهم، رَسَمُوا صورةً للقُدْسِ حزينةً، فهي الأمّ الباكية، وهي الذّبيحة الجريحة، وهي المَخذولة البائِسة، وهي المَنكوبة المَرعوبة، وهي المُستباحة الوحيدة، ولقد بدتِ الأشعار تميلُ إلى اليأس، شاحبةً كأنّها مَسلُولة، ولربّما يكون في غير ما انتقيتُ الأمل، لكنّ هذه النّماذج تُعبّر تعبيرًا صادِقًا من جهتَين؛ الحقيقة المُرّة الّتي عاشتْها القُدسُ وما زالتْ تعيشُها إلى اليوم من جهةٍ، والشّعور الّذي يُنبِي عن عواطف الشّعراء تُجاهها دون تزيينٍ أو تزويقٍ من جهةٍ أخرى.

انتهى.

 

الأردنّ

 

 

[email protected]

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X