كتاب الراية

خواطر.. مجرد خاطرة

هكذا أفصح إبليس عما يُكِنّه من فَهْم خاطئ لطبيعة العناصر

المُقارنة ميزانٌ نظريٌّ لا حُكمَ لنا عليه ولا صحَّة لقراءاته، تتثاقل الكفَّات وتترنح بين عُلُوٍّ وهبوطٍ، تُقارن وتُفاضل بين ما يعنينا، لكنَّه ليس من شأننا، ولا تفسير لحدوثها، فحجب الحقيقة عن الأنا، هو سلاح العقل للمُحافظة على تقييم الذات، للجري خلف ما نظن أننا نستحقُه.

المُقارنة كانت سببًا في عصيانِ إبليس أمْر ربِّه في السجود لآدم: «قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ».

وهكذا أفصح إبليس عما يُكِنُّه من فَهْم خاطئ لطبيعة العناصر؛ فقد توهَّم أن الطينَ والصلصال أقلُّ مرتبة من النار التي خلقه الله منها، وكأن إبليس قد فَهِم أن عنصر المخلوقيَّة هو الذي يُعطي التمايز؛ وتجاهل أن الأمر هو إرادة خالق العناصر الذي يُرتِّب المراتب بحكمته، وليس على هَوى أحدٍ من مخلوقاته.

ومن توجيه الله في فضائل الخَلْق أن مَنْ يطلي الأشياء بالذهب لا يختلف عنده سبحانه عن الذي يعجن الطين ليصنعَ منه الفخار، فلا يفضلُ أحدهما الآخرَ إلا بإتقان مهمته.

إبليس مقتنعٌ بأنَّ هناك عنصرًا أفضل من عنصر، فهل لمصطلح العنصرية الذي يُحاربه العالم قولًا لا فعلًا، علاقة بذلك؟ «قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ».

ولا أدري إن كانت المُقارنة مُشتقة من القرين، إذ يُعرّف القرين بأنّه شيطان مُسلَّط على الإنسان بإذن الله عز وجل، يأمره بالفحشاء وينهاه عن المعروف، كما قال عز وجل: «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»، فإذا كان قلب الإنسان سليمًا وموحّدًا لله عز وجل، وخاليًا من الكِبرِ والفوقية، مؤْثِرًا جنة الآخرة على نعيم الدنيا، فإن الله تعالى يعينه على هذا القرين حتى يعجز عن إغوائه بالمُقارنة والمفاضلة.

التاريخ خير برهان على العنصرية والمُقارنة، والحجج كثيرة ومستترة تحت شعارات تتسم بالحماية والدفاع عن حقوق المرأة والطفل، ووقف الاستعباد، بعضها يتخذ ظاهريًّا طابعًا دينيًا وبعضها يستند إلى دساتير وضعية، تغسل العقول ببرمجة عنصرية بعيدة الأمد، مع أن الله لم يظلم أحدًا، للنساء مثل الذي عليهن، وللأطفال علينا حق الرضاعة والتربية والتعليم، ولا فرق لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كما يعتبر أداء الزكاة والصدقات وتحريم الربا، من أفضل قوانين التكافل الاجتماعي والاقتصادي. وحين نتأمل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا».

ألا يوحي الرياء بالإنفاق هنا إلى التستر خلف شعارات زائفة، كدولة عُظمى تقود العالم وتزرع الفتن وتُفرِّق لِتَسود، تقوم برمي آلاف الأطنان من الأرز والقمح في المُحيطات للتحكم بالأسعار، ثم تدعو لعقد مؤتمر لإنقاذ من يُعانون من الحروب والتصحُّر والمجاعات، وتطالب الدول الأخرى بالإمدادات للمُتضررين، كأنها تهدف لإفقارهم، وبين حين لآخر ترمي للجوعى أكياس المؤن وترسل لهم البعثات الطبية، وفريقًا إعلاميًّا يُصور وقفتها الإنسانية.

لست مُتشائمة على الإطلاق، فالله فوق الجميع، والخير في المؤمنين كثير، مُجرد خواطر داهمتني بعد نشرةِ أخبارٍ بثَّت مخاوف العالم من حروبٍ وعطشٍ ومجاعات.

اللهم إنا نسألك أن تظهرَ لنا الحقَّ حقًا وترزقنا اتباعه، وأن تظهر لنا الباطل باطلًا وترزقنا اجتنابه.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X