كتاب الراية

بيني وبينك …. أوّل الشّعر

كان الشّعر نَغَمًا شجيًّا استطاع أنْ يُؤرْجِحني بين الحقيقة والخَيال

لقد نما الشّاعر في بداياتي أسرعَ بكثيرٍ مِمّا نما القاصّ أو الكاتب. كان الشّعر نَغَمًا شجيًّا، وروحًا مُحلّقة، استطاع أنْ يُؤرْجِحني بين الحقيقة والخَيال بطريقةٍ مُذهلة، كنتُ مُحتاجًا في تلك السّنّ – وبالطّبع حتّى اليوم – إلى ذلك التّحليق، كان الإلهام الّذي يُلقيه الله في رُوح الشّعراء هو الّذي يُمكّنهم من ذلك. لقد حلّقتُ حتّى لكأنّي أقول عن النّابغة الجَعديّ بيتَه حينَ أَنشَده أمام الحبيب:

بلغْنا السّماءَ مجدُنا وجُدودُنا

وإنّا لنبغي فوقَ ذلكَ مَظْهَرَا

كتبتُ أولى قصائدي في (سُوف)، نغمًا على التّراب، وشجنًا على السّحاب، كانتْ (سُوف) تُعلّمني الشّعر دون أنْ تقولَ إنّها تفعل، كان غيمُها في الشّتاء، وعُذوق أشجارها بعدَ المطر وقطراته تَسّاقطُ كأنّها حَبُّ الجُمان يفعل ذلك. كانتْ جبالها الّتي يقصرُ عنها النّجم وينسرب عنها الوَدْق يفعل ذلك. كانتْ روحُ طبيعتها البِكر، وصفاء مياهها الّتي لم تُلوَّث، وهدوء مساءاتها الغافية يفعل ذلك.

حينَ صرتُ مع العائلة في إربد، بدأتُ أشتغلُ على الصّورة البصريّة للشّعر؛ أعني على الشّطرَين المُتساويَين في عدد الكلمات والمُنتهِيَين بقافيةٍ مُتماثلة، لم يكنِ العَروض قد موسقَ أذني تمامًا، كنتُ في الصّفّ الخامسِ حينَها، ضاعَ كلّ ما خربشتُه يومئذٍ، ثُمّ غنّيتُ ما غنّيتُ من الشّعر حتّى انقادَ لي، وصرتُ أُرنّم البيتَ حتّى أكتسبَ نغماته الموسيقيّة فأعيدُ النغمة دون الكلمة، وأظلّ أعيد النّغمة حتّى أصعدَ سُلّمه الموسيقيّ بسلاسة، وحتّى يُصبح بابُها مفتوحًا على مِصراعَيه، فحينئذٍ ألجُ بحذرٍ وهدوءٍ في البداية، فإذا وجدتُ النَّغَم طاوعني مع الكلمات الّتي هي مفاتيحُه، دخلتُ إلى القصيدة بكامل ثقتي، فتابعتُ إلقاء المفاتيح في الأبواب، فإذا الباب الأوّل ينفتح عن البيت الأوّل فآخذه فَرِحًا به، وأمضي به وهو بين يدي، فألقي المفتاح الثّاني فينفتح الباب الثّاني فآخُذ البيت، وهكذا حتّى انفتحتْ لي يومَها ثمانية أبواب، وتلك كانتْ قصيدتي الأولى الموزونة، كانتْ على بحر الهزج:

على الأهزاجِ تَسْهِيلٌ

مَفاعِيلُنْ مَفاعِيْلُنْ

وأذكرُ أنّني عام 1985م حملتُها إلى أبي فَرِحًا، فطار بها من الفرح مثلي وزِيادة. لقد وُلِدَ في بيتِه شاعرٌ! لم أَعُدْ أذكر اليوم منها بيتًا واحِدًا وقد مضى على ذلك سنواتٌ يتيهُ فيها السّحاب فكيفَ بقطعةٍ خَداجٍ خرجتْ من قلبِ شاعرٍ في أوّل الطّريق، وضاعتْ هي فيما ضاع، ولا يعزّ مثلُها على واحدٍ مثلي، إلاّ لأنّ الأوائل من كلّ شيءٍ لها ميزتُها. ثُمّ مضى عامٌ بدا لي أنّ الشّعر فيها قد سكت، وأنّها كانتْ قصيدةً يتيمة، وأنّ الشّاعر إمّا أنْ يولَدَ شاعرًا وإمّا فلا، فإنّه في هذا لا يوجد أنصافُ شعراء، فظننتُ أنّه لم يكنْ شاعِرًا من الأساس ذلك الّذي صدح بتلك القصيدة، فتركتُه! غير أنّ الّذي ظهر فيما بعدُ أنّه لم يسكتْ، بل كان يتغذّى على قليلٍ من الكلام وكثيرٍ من الموسيقى، حتّى يكون قادرًا على المشي في دروب الشّعر الطّويلة والشّائكة، كان ذلك عام 1986م وهي البداية الحقيقيّة للشّاعر الّذي صِرتُه، كانت القصيدة الثّانية الّتي كتبتُها آنئذٍ على مجزوء الكامل، ودفعتُ بها إلى أبي، فغيّر في بعضِها، وغنّاها معي حتّى يطمئنَّ إلى أنّ أُذني الموسيقيّة سليمة، وهذه القصيدة كانتْ أطولَ من سابقتها، فقد وصلتْ إلى أربعة عشر بيتًا، ولا زلتُ أحفظُ بعضَها وإنْ نسيتُ أكثرها، فمن ذلك:

ماذا أُحدّث أو أقولْ.. عنْ أُمّتي ذات الأصُولْ

كانتْ بِحارًا في السّخاءِ ضراغِمًا إذْ ما تصولْ

قد أغدقتْ من عِلْمِها… وبِعِلْمها غَيْثٌ هَطولْ

وتمثّلتْ كلّ الحضارات القديمة في العُقُولْ

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X