كتاب الراية

تأملات عابرة.. صديقك المفضل

معظم الَّذين عبروا أمام الزُّجاج التفتوا ليلقوا نظرة خاطفة على أنفسهم

«صديقُكَ المفضل الذي تنتظرهُ لأيَّام له أصدقاء مفضَّلون، هو مشغولٌ معهم»، الشّخصُ الذي تحبُّه وتهتمُّ به مُعجبٌ بشخصٍ لا تعرفهُ، من تنتظرهُ بلهفةٍ ليردَّ عليكَ ببرودٍ، يعانق الهاتفَ فرحًا برسالةِ أحدٍ آخر، من ينزعجُ من عبوسكَ يُجيدُ بسهولةٍ خلق الابتسامةِ على وجهِ غيركَ، ومن كان كثير الصمتِ في حضوركَ يثرثر بإسهابٍ في حضرةِ الآخرينَ، هكذا هي الأشياء تحدثُ على عكسِ ما نتخيّلُ تمامًا، بطريقةٍ مُستفزّةٍ ومؤلمةٍ، لا تصدِّق أنَّك الأهمُّ دائمًا، اليوم يرفعون سقف توقُّعاتكَ وغدًا يجعلون السقف يقع على رأسكَ.
00:00 منتصف اللّيل،
كلُّ شيء يبدو أعمقَ، أغمقَ وأشدَّ تعقيدًا، أكلُّ الأشياء تلبسُ اللّون الأسود أم «أنَّ عينَيَّ مُتعبتانِ»…
مرّوا أمام زجاجٍ عاكس في بناية كبيرةٍ، وقف رجلٌ يصفّف خصلات شعره قبل أن يقابلَ حبيبته، ثمَّ امرأة عدَّلت أحمر الشِّفاه، ثمَّ وقف رجلٌ عجوزٌ يتأمُّل تجاعيد وجهه قبل أن يهرب مسرعًا، وفتاة وقفت تلتقط صورة لها، وآخرون وقفوا دون حراكٍ،
معظم الذّين عبروا أمام الزّجاج التفتوا ليلقوا نظرة خاطفة على أنفسهم، وكلُّهم لم يلحظوا أنَّي أقف جامدًا من الجهة الأخرى للنافذة وأنّي كنتُ أشاهد كلّ الأشياء التيّ يريدونها وكلّ الأشياء التّي يهربون منها، فكرة مُخيفة تراودني مع كلّ مارٍّ !! من المؤسف أنّي لم أشاهد انعكاسي قطّ، ولم يقف أحد خلف النافذة ليشاهده، كنتُ دائمًا في الجهة الصامتة، جهة من يشاركون ألم وسعادة غيرهم ويصغون لثرثرات الجميع ويهتمّون بتفاصيل غيرهم ويرعونها دون أن يلتفت إلينا أحدٌ أو يدركَ أنّنا نحتاج أن نكون في الجهة الأخرى أيضًا، نحتاجُ أن يرانا أحدٌ ما.
أحبُّ الثَّبات، لأنّه يُعطيني شعورًا بالأمانِ، الثّبات في المواقف، في المسافاتِ، في المشاعرِ، في الاهتمامِ لا أحبذُّ المُتأرجحينَ جيئةً وذهابًا، الذين للحظة يجعلونك أهمّ شخصٍ في العالم ثمّ فجأةً يُشعرونكَ أنّك لا شيء، أحبُّ الثّبات الدّائمَ لأنّه يجعلنِي أطمئنُّ مهما كانت حالتي فأنا مرغوب فيَ، ومهما غضبتُ فأنا قابلٌ للاحتواء، ومهما اهتززتُ فأنا قابلُ للعناقِ، الاستقرار، والثّباتُ، الأمان والاطمئنان، هي كلّ شيء.
من يَقبلون أيّامنا السيِّئة، وحدهم يستحقّون أن يكونوا بجانبنا حين يُزهر الطّريق من حولنَا، وحدهم من يستحقّون أن يستمتعوا بعطرٍ أيّامنا المُزهرة.
ليس لنا أشباه أربعون، أنا الأربعون والمئة والألف، لا شيء يُشبهني غير الصّباحات الباردة، وأواخر اللّيل والأغنيات القديمة وأعقاب السّجائر ورائحة الكتب المُهترئة على رفوف المكتبات.
أحيانًا ما أجملَ أن تشعر أنّك غير مرئيّ، لستَ بطل القصّة ولا شخصّية ثانويّة، بل مجرّد وجهٍ، تمشي وسط الحشدِ ولا يبتسمُ لكَ أحد مُلقيًا التحيّة، ولا أحد ينتظر منكَ رسالةً أو مُكالمة مُفاجئة، لا أحد يتوقّع منكَ شيئًا، الخيرُ لكَ والشرّ لكَ، تشربُ قهوتك وحيدًا، يمدّك النّادل بالفاتورة دون أن يطيلَ الحديثَ، تقرأ الجريدة دون أن يقاطعكَ أحد، وتضعُ سمّاعات الأذنِ وأنت تدركُ ألا أحد سيناديكَ غير الصّوت الذّي داخلك.

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X