المنتدى

سرمدية الصراع في أوكرانيا.. حقيقة أم وهم؟

إطالة أمد الصراع تعني إبقاء الهيمنة الأمريكية على القارة الأوروبية

بقلم /د. خالد الدباس ( أكاديمي وخبير في الشؤون السياسية )

تُشيرُ مُعطيات الصراع اليوميَّة الخاصة بالحرب الروسيَّة -الأوكرانيَّة إلى أنَّ هناك رغبةً أمريكيةً في أفغنة هذا الصراع عن طريق إشغال روسيا في حربها ضد أوكرانيا عبر إطالة أمد هذا الصراع، كما فعلت في دعمها للمُجاهدين الأفغان في مواجهة القوات السوفييتية من قبل.
المُتتبع لمُجريات الأحداث، يلحظُ بوضوح أنَّه بمجرد صدور التهديدات الروسية القاضية بقطع الغاز الروسي بالكامل عن أوروبا، أعقبها تحوُّل كبير في مُجريات المعارك لمصلحة الجيش الأوكراني، حيث بدأت القوات الأوكرانية تستعيد أجزاءً كبيرة من أراضيها المُحتلة، وبدأت القوات الروسية بالتقهقر، وهي مسألة تُثير العديد من التساؤلات، إذ كيف تمكنت كييف من تغيير مُجريات المعركة في غضون ساعات؟
هذا التحوُّل في مُجريات الصراع، يؤكد أنَّ هذه الحرب ستكون حربَ استنزاف، وذات طابع سرمدي، وإمكانية الحسم فيها غير كائنة في المُستقبل القريب، وهو ما يتسق مع المصالح الأمريكية القاضية بضرورة إشغال روسيا، واستنزاف اقتصادها، وإدخالها في علاقات مُتضاربة مع الجار الأوروبي، الذي كاد يستأنس بالدب الروسي، ويركن إليه، بوصفه بديلًا أوروبيًا لتحقيق الأمن الأوروبي.
إطالة أمد الصراع تعني إبقاء الهيمنة الأمريكية على القارَّة الأوروبيَّة، وتعزيز قناعات الساسة الأوروبيين، بأنه لا ملجأ ولا منجى لهم إلا بأمريكا، فهي صاحبة الكلمة الفصل في أوروبا، فالهيمنة على أوروبا، تَعني تعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم، فإذا كان الروَّاد الأوائل في علم الجغرافيا السياسية قد أشاروا إلى أهمية قلب العالم (أوروبا الشرقية)، وأن من يُسيطر عليها يسيطر على العالم، فإن واقع العلاقات الدولية الحالي يؤكد أن من يُهيمن على أوروبا الغربية يُهيمن على العالم.
بُعَيد انهيار الاتحاد السوفييتي استقرَّت الأمور في أوروبا بانتهاء خط التفاعلات على محور «غرب – شرق» وتصاعدت أهمية التفاعلات في داخل الغرب، أي على محور «شمال- شمال»، وفي الوقت نفسه توارى محور «شمال- جنوب، وبدأت تلوح بالأفق دعوات أوروبية مُنادية بضرورة استقلال أوروبا أمنيًا عن الولايات المُتحدة، وبأنه على أمريكا أن تعي جيدًا أنها ليست قوة أوروبية، وليس لها حق المُبالغة في التدخل في الشؤون الأوروبية الداخلية. لكن اشتعال الصراع في البوسنة والهرسك آنذاك، قد أعادَ إنتاج النفوذ الأمريكي في أوروبا، ووفر فرصةً حقيقيَّةً للولايات المُتحدة لضرب أي محاولة لتشييد الأمن الأوروبي المُنفصل عنها، خاصةً مع تزايد التوجه الأوروبي (الفرنسي- الألماني)، لإقامة جيش أوروبي مُشترك بعيدًا عن أجهزة حلف الناتو.
وفقًا لهذه المُعادلة، لن تسمحَ الولايات المُتحدة الأمريكية لأي قوة عالمية بأن تهيمنَ على أوروبا، أو أن تنازعها الهيمنة، وكيف، لا؟ فقد عارضت أمريكا كلَّ المشاريع الوحدوية الأوروبية الخالصة، بمعنى أنَّها ترفض حتى أي استقلال أوروبي بعيدًا عن هيمنتها، فكيف لها أن تقبلَ بالهيمنة الروسية؟!
هذه الحقائق تؤكد أنَّ روسيا لن تنتصرَ في حربها مع أوكرانيا، لأنَّ نصرًا مثل هذا يعني زعزعة الهيمنة الأمريكية على أوروبا، وإعادة الحديث عن نظام دولي جديد، ونظام اقتصادي لا يكون فيه الدولار سيد الاقتصاد، ولأن نصرًا كهذا سيكون بمثابة بداية الأفول الحقيقي للإمبراطوريَّة الأمريكيّة.
في المُقابل لن تدفعَ أمريكا باتجاه تحقيق هزيمة نكراء بالروس، لكي لا يتم استفزازهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى حسم المعركة بالأسلحة غير التقليدية، وهو أمر قد يُحقق النصر لهم، لذلك فإن المُعادلة الأمريكية تقتضي إدارة الصراع على نحو يُحقق التوازن، بدون وجود طرف مُنتصر، بما يضمن عزلَ روسيا عن أوروبا، واستنزافها اقتصاديًا، وعسكريًا، في مُقابل عجز أوكراني عن تحقيق النصر الحاسم، مع إبقائها منطقة عازلة تتلقى ضربات الدب الروسي بعيدًا عن قلب أوروبا، وهي مُعادلة تضمن بقاء أوروبا متوجسة تستجدي العون الأمريكي.
الوعي بحقيقة هذه التحديات، هو الذي سيُحدد طبيعة الاستجابة الروسية، وَفقًا لمعادلة توينبي التاريخية، فإذا أدركت القيادة الروسية أنَّ الغابة الأوكرانية قد صممت لصيد الدب الروسي، وأنها لن تخرجَ مُنتصرة في هذه الحرب، مهما كانت خسائر الطرف الأوكراني، فعندها يصبح لزامًا الخروج من هذا المأزِق، لأن ديمومة هذا الصراع تعني إعادة إنتاج القطب الأمريكي، وديمومة الهيمنة الأمريكية على مُقدرات النظام الاقتصادي العالمي، وبذلك تكون روسيا قد قدمت خدمة لا تُقدر بثمن لعدوِّها اللدود.

 

 

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X