بقلم/ عبدالعزيز بن صالح الخليفي:
يانِيلُ فَرْعُكَ أَحْيَا الأرضَ مُنْسِكبا
وأَنْبَتَ النَّيّرينِ الفِقْهَ والأَدَبَا
إنّ الغُصَونَ التي في الأَيْك وارفة.
مثلُ العمائم أَلقتْ خَلْفَها العَذَبا.
يَسْقى نميرًا أَديمَ الأرضِ ما نضَبَتْ
برَيِّق الماء ، يجلو خَدَّها التَّرِبا
أَبَا الفضائلِ قد أَبْليتَ في دَأَبٍ
مُسْتَوفِزًا لعلوِّ الدين مُنْتِدِبا
تلك الرِّيادةُ في الجُلّى ، أقرّ بها
ذوو المَكَارمِ ، دَيْنًا في العُلَا وَجَبا
يارُبَّ دَاجِيةٍ أَبْصَرتَ غَيْهَبها
ما ارْتَدّ طَرْفُكَ ، حتى رُعْتَها شُهُبَا
أَتَيْتَ في زَمنٍ مَاجَ الضَّلالُ به
فكنتَ نِدًّا ، تَرُدّ الباطلَ الصَّخِبا
عبَّأتَ من حُجَجِ الإسلامِ سَابِحَةً
من الجِيادِ تُديرُ السُّمرَ والقُضُبا
فدوّخت مَنْطَقًا مازالَ مُسْتَتِرًا
خَلْفَ الحَدَاثة يَطْوي الزَّيْغَ والكَذِبَا
دَسائسٌ تحتَ جُنْح اللّيلِ ، دَبَّرها
مُسَتعمرٌ ، وشِعارُ القَوم وَا حَرَبَا
ثم التفتَّ إلى الأَذْنَابِ تقنِصُهم
إذا ضَرَبْتَ فأَتْبِعْ رأسَها الذَّنَبا
يَالَلْيراعِ الذي يُمْنَاك تسْنُدُه
مُسَدَّدًا في قضايا الفِكرِ مُلْتَهبا
أَوْقَفتَهُ حارسًا يَحْمي حقيقَتنا
أَغْنَى عن الجيش ، فاسْتَغَنَتْ عن الرُّقَبَا
لولاكَ ياقلمَ الكتابِ ما ظَهرتْ
للعِلْمِ دَوْلتُهُ ، تَحْكي لنا العَجَبا
أَلْفَيتُ فيها حِياضَ العلم مُتْرَعةً
وكان حَوْضُك يَسْقي المُدْنَ والجَدَبا
ومَن رأى العِلمَ ألفاهُ على حِلَقٍ
والناس حَوْلَكَ ، تَثْنِي عندكَ الرُّكَبا
لَمَّا لَحَوْكَ على التِّيسيرِ ، قُلتَ لهم :
إن الشَّريعةَ تَنْفِي الإِصْرَ والوَصَبَا
سِيَّانِ قولُهم هذا وتُهْمَتهم
فالرَّمْيُ للثَّمرِ العَالي إذا صَعُبَا
أَفْنَيتَ عُمْرًا على الفتوى وما بَرِحت
فَتْواكَ تَخْتَرقُ التّلفَازَ والحُجُبَا
وكان عِلمُكَ مَشْهودًا على ملأٍ
في الجامعات زُلَالًا صُغْتَهُ نُخَبَا
ولم تَزلْ تَعْتَلي أَعْوادَ مِنبرِها
مساجدَ الله ، تُلْقِي فوقَها الخُطَبَا
ويارَعَى الله قَوْلًا كُنتَ تَنْثُرُه
على الأنام ، بليغًا يَفْضُلُ الذَّهَبَا
وفي دروسِكَ حينَ الأُمْسِياتِ يَدٌ
تُوَضّئُ الروحَ كَيْ تُهْدِي لها الغَلَبا
أمَّا ذَخَائرُ عِلمٍ كنت تَرْصُدُها
ففي سُطورٍ تَزِينُ الرَّقَّ والكُتبَا
جمعتُ منها ، ولم أَظْفَرْ بسائرها
وما حَوَاها فَتًى، حتَّى وإنْ دَأَبَا
كم قُوطِعَتْ ، ولها في النّشْرِ سَابِقَةٌ
وكلُّ مَنْعٍ يَزِيدُ القَارِئَ الطَّربَا
فإن مَضَى الكاتبُ البَّاني قَواعدَها
فما بَنَى يَصْحَبُ الأَعْوَامَ والحِقَبَا
ما عند رَبِّكَ من بِرٍّ سَعَيْتَ لهُ
إلاّ سَتَلْقَاه أَجْرًا يَمْلأُ الهِضَبَا
تِلْكَ المَنَاقِبُ سِفْرٌ أنتَ صُورتُهُ
لكلِّ جِيلٍ هوى في العلم أَنْ يَثِبَا
يارُبَّ مَيْتٍ طَوَى عُمْرًا فأَسْعَدَهُه
وأنتَ للأمّةِ المبذولُ مُحْتَسِبَا
وقد رَحَلْتَ ، فللإسلامِ ما اخْتَلَجَتْ
مَنيَّةٌ ، كلُّ ذي دينٍ لها انْتَحَبَا
فامنحْ إلهي فقيدَ الدين ما وَهَبَتْ
رُحْمَاكَ أَجْرًا ، وزِدْهُ الفَضْلَ والرُّتَبَا