كتاب الراية

ما بين السطور.. دعوة للتحصينات من جديد

تلك الخاصيات الحديثة المُميزة كشفت أسرارًا وسربت أخبارًا وإشاعات صادمة

ما عاد الوضع كما كان..

زمان، كان الفرد الواحد منا يتطلع بجنون لتظهرَ صورته في إحدى صفحات الجرائد أو في لقطة شاردة على شاشة التلفاز.. فقط ليراه الآخرون، وليعلنَ عن نفسه ووجوده بالدليل المرئي، أو الصوتي من خلال الإذاعات المسموعة..

كان زمانًا مُختلفًا..

كل شيء فيه كان مُختلفًا جدًا عن الوضع الحالي..

الصورة الفوتوغرافية كان لها مكانة عالية، حيث إنها لا تتكرر كل يوم، فتحفظ بين دفتي ألبومات خاصة، حيث إنها تصبح ذكرى للحظة، أو موقف، أو لقاء..

اليوم، لم يعد ذلك الشغف بالظهور والإعلان عن النفس، والتعريف بالصور الفوتوغرافية، المنظمة في الألبومات المُتراكمة..

فقد أصبح التصوير أمرًا عاديًا جدًا، ليس هناك ما يُميزه عن الأمور الأخرى في الحياة..

إنه أسهل من إعداد كوب من القهوة أو الشاي، أو إعداد شطيرة سريعة لسد الجوع المُتطفل على اللحظة الآنية..

في يد كل فرد الآن كاميرا، في وسع كل فرد الآن تصوير كل شيء يريده..

ظهرت طائفة جديدة إلى الوجود، أولئك الذين يُعدّون أنفسهم نجومًا، أولئك الذين يلتقطون كل لحظة صغيرة، مهمة أو غير مهمة، صورًا مُتحركة بالألوان، دون جهد، ودون أي تكاليف مادية..

اختفت الألبومات من خزائن المنازل، وتم استبدالها بالأسطوانات الذكية، وحافظات الملفات الصغيرة والخفيفة، والتي يمكنها أن يضم محتواها، كل صور الألبومات المنزلية، والمشاهد المُتحركة الجديدة، المُلتقطة حديثًا عبر تقنية الفيديو في الهاتف المُتنقل، أو الجهاز اليدوي (الآي باد) أو الكمبيوتر..

حياتنا، وحياة الآخرين أصبحت معروضة على الشاشات، مكشوفة بكل عيوبها وإيجابياتها.. نعرضها نحن بإرادتنا، أو تتم سرقتها عبر التسلل إلى هواتفنا وأجهزتنا الآلية..

تلك الخاصيات الحديثة المُميزة، كشفت أسرارًا، وسربت أخبارًا وإشاعات صادمة..

شوّهت لنا الحقائق، والوجوه، والعلاقات الاجتماعية، وجعلت الأفراد يبثون كل ما يحدث لهم لحظة بلحظة، دون اعتبار لمن سيُشاهد تلك اللقطات، ودون اهتمام بأعراف أو دين أو تقاليد اجتماعية..

ما الذي صنعته لنا تلك الكاميرات المُسلطة علينا في كل لحظة وكل آن..؟؟

مُجتمع لا يعرف الأشقاء بعضهم بعضًا، وهم يعيشون معًا في نفس المكان..

فتيات بعمر الورد، يتسللن من الدور، ليعرضن مفاتنهن بتلك الملابس التي غزت خزائن بناتنا وأبنائنا..

بنطال لا يكاد يسع ساق صاحبته، أجساد بارزة بكل انحناءاتها وتفاصيلها تحت تلك الأزياء، ملابس غير مُحتشمة تحت العباءات المفتوحة..

ماذا نقول..؟

ضياع في ضياع، وانفلات واضح وجريء..

ليس ذلك في مُجتمعنا الذي كان بريئًا ذات يوم من كل تلك التحولات الفاسدة المستوردة من الخارج، عبر الأقمار المزروعة فوق رؤوسنا، لتكشفنا في أضيق ركن من دورنا.. إنما المُجتمعات المُصابة بهوس تلك التصاوير والبث الحي عبر تلك الأجهزة التي نحملها بين أيدينا وفي حقائبنا..

كلها، قد أصيبت بتلك الفيروسات الفاسدة، والمصدرة نحونا، وإلينا في هذا الجزء من الكرة الأرضية..

حين ابتلينا ب «كورونا»، أغلقنا علينا دورنا وامتنعنا عن اللقاءات والتجمعات، لنحصّنَ أنفسنا وأسرنا ومُجتمعنا من ذلك الوباء..

لكن كيف يمكننا تحصين الأجيال الحالية والقادمة عن الإصابة بهوس التقليد الأعمى، لكل ما يبث، وكل ما يدخل إلينا من تصاوير هادمة، غير عابئة بالأخلاق، ولا بالصلاح، ولا بكل مُقومات الدين والمُجتمع والحياة الكريمة، ولا بمبادئنا الإسلامية والعربية الأصيلة ؟؟

هل من حلول سريعة وشاملة لكل أركان المُجتمع، من الصغار حتى الكبار.. ؟

حماكم المولى وحفظكم ورعاكم..

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X