كتاب الراية

وقفات قانونية.. أحكام «القبض» والتفتيش

«القبض» هو سلب حرية شخص لمدة قصيرة باحتجازه في المكان الذي يعده القانون لذلك

يعرف «القبض» في فقه القانون الجنائي بأنه «سلب حرية شخص لمدة قصيرة باحتجازه في المكان الذي يعده القانون لذلك»، أما «تفتيش» الشخص فيعني «التنقيب عن دليل الجريمة في جسمه أو ملابسه أو ما يحمله». ويعد القبض والتفتيش من أشد الإجراءات الجنائية التي يتعرض لها الشخص الخاضع لهما؛ فهما بطبيعتهما ينطويان على مساس بحريته الشخصية المتعلقة بحقه في التنقل وحقه في صيانة جسمه، ولذلك حرص المشرع القطري على تقرير مبدأ حمايتها في المادة (36/‏1) من الدستور بنصه على أن «الحرية الشخصية مكفولة. ولا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون». وقد أكد المشرع القطري على هذا المبدأ الدستوري في المادة (40) من قانون الإجراءات الجنائية القطري رقم (23) لسنة 2004 بقوله «لا يجوز القبض على أي شخص أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك، وفي الأحوال المقررة قانونًا». وسنحاول في هذا المقال -بإيجاز- إلقاء الضوء على أهم القواعد المتعلقة بالقبض على الأشخاص وتفتيشهم وفقًا لنصوص قانون الإجراءات الجنائية.

أولًا: القبض على الأشخاص:

كما سلف القول إن «القبض» هو سلب حرية شخص لمدة قصيرة باحتجازه في المكان الذي يعده القانون لذلك. والأصل أن الجهة المختصة بإصدار الأمر بالقبض على شخص ما هي النيابة العامة، إلا أن القانون خوّل الأمر به -استثناءً- لمأمور الضبط القضائي في حالات أخرى أبرزها حالة التلبس بالجريمة. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن تلك الحالات التي وفقًا للقانون القطري يجوز فيها القبض على الشخص ومن ثم يجوز فيها تفتيشه. ومن خلال نصوص قانون الإجراءات الجنائية، يمكننا القول إنه خوّل مأمور الضبط القضائي سلطة القبض على الشخص في الأحوال التالية:

1- في حالة صدور إذن من النيابة العامة لمأمور الضبط القضائي بالقبض على شخص معين وإحضاره، بناءً على تحريات جدية لاتهامه بارتكاب جريمة ما أو الاشتراك في ارتكابها.

2- في حالة التلبس بالجنايات أو بالجنح التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ستة أشهر، إذا كان المتهم حاضرًا وكانت توجد دلائل كافية على اتهامه. أما إذا لم يكن المتهم حاضرًا، فقد أجاز القانون لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمرًا بضبطه وإحضاره على أن يثبت ذلك في المحضر (المادة 41 من قانون الإجراءات الجنائية). ونشير هنا إلى أن حالات التلبس بالجريمة نصت عليها المادة (37) من قانون الإجراءات الجنائية.

3- إذا وجدت دلائل كافية، على اتهام شخص بارتكاب جناية أو شروع فيها أو جنحة سرقة أو احتيال أو مقاومة رجال السلطة العامة بالقوة أو بالعنف، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة وأن يطلب فورًا من النيابة العامة أن تصدر أمرًا بالقبض على هذا الشخص (المادة 43 من قانون الإجراءات الجنائية).

التمييز بين «القبض» و»الاستيقاف»:

انتهينا فيما سبق إلى أن القبض هو سلب لحرية الشخص لمدة قصيرة، فإنه يتعين علينا أن نميّز بينه وبين إجراء آخر قد يتشابه معه ألا وهو الاستيقاف، والذي نص المشرع القطري على مشروعية القيام به وذلك في المادة (36) من قانون الإجراءات الجنائية. فالاستيقاف أمر مباح لمأموري الضبط القضائي في حالة ما إذا وضع شخص نفسه طواعية واختيارًا في موضع الشك والريبة والظن، وكان هذا الوضع يستدعي تدخل مأمور الضبط القضائي للتحري والكشف عن حقيقة هذا الوضع لفحص الشكوك التي تحيط بالمستوقف، والتحري عنه بسؤاله عن اسمه ووجهته، ومطالبته بإبراز بطاقة الهوية، مع الأخذ في الاعتبار أن الاستيقاف هنا وبهذه الصورة لا يخول مأمور الضبط القضائي القبض على الشخص المريب أو تفتيشه أو تفتيش سيارته، إنما هو مجرد إجراء للاستدلال والتحري، وبعد ذلك إما أن تزول هذه الشكوك فيترك المستوقف وشأنه، وإما أن تقوى فتتحول إلى أمارة أو دليل على ارتكاب الشخص لجريمة ما، وفي هذه الحالة يتعين على مأمور الضبط اتخاذ الإجراء الذي يقتضيه الوضع الجديد بالقبض عليه ومن ثم القيام بتفتيشه. فعلى سبيل المثال، إذا شاهد مأمور الضبط القضائي أحد الأشخاص يقف في ساعة متأخرة من الليل، وبعد انتهاء ساعات العمل، بجوار محل مغلق لبيع المجوهرات حاملًا حقيبة يظهر منها أداة حديدية -مما يستخدمه اللصوص عادة في كسر الأبواب- في هذه الحالة يجب عليه أن يستوقف هذا الشخص لاستطلاع حقيقة الأمر بسؤاله عن اسمه ووجهته وسبب وجوده في هذه الساعة المتأخرة بجوار المحل وعن سبب حيازته لتلك الأداة، وأن يبرز بطاقة الهوية، فإذا ترتب على الاستيقاف ظهور حالة تلبس بارتكاب جريمة ما أيا كانت، جاز لمأمور الضبط القضائي في هذه الحالة أن يباشر الاختصاصات المخوّلة له عند التلبس بالجريمة بالقبض على المتهم وتفتيشه وتفتيش أمتعته التي معه، وكذلك تفتيش سيارته إذا كانت في حيازته.

 

الشريك المؤسس لمكتب شرق

وعضو لجنة قبول المحامين

 

[email protected]

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X