كتاب الراية

وقفات قانونية.. الحمايةُ الجنائية للمال العام في القانون القطري

عدم قابلية الأموال العامّة للتصرف فيها متى استمر تخصيصها للمنفعة العامة

لا جدالَ في أهميةِ «الأموال العامة» بالنسبة لكفالة سير الحياة في أيِّ مجتمع حديث، فهي وسيلة الدولة للقيام بوظائفها المتعددة؛ فالمال العام وسيلة مهمة من وسائل الدولة الحديثة للقيام بأنشطتها المختلفة من إنشاء مرافق عامة وتسييرها بما يحقق النفع العام، بل وتقوم الدول بوضع خططها المستقبلية، التي تهدف من خلالها إلى تحقيق التنمية المستدامة، بما يحققُ رفاهية أفراد المجتمع، استنادًا إلى توافرِ المال العام لديها، ومن ثمَّ كان الاعتداء عليه معطِّلًا لسيرِ هذه الوظائف على النحو المرجو منه، وهذا ما دعى مختلف الدول في العصر الحديث لوضع أنظمة وقوانين متعددة، تهدف بها إلى تقرير الحماية الشاملة للمال العام من العبث به أو النيل منه.

وتتعدد صور الحماية القانونية للمال العام، فقد يتكفل بها القانون المدني من خلال أحكام يستثنى بها المال العام عن المال الخاص، مثل: النصوص التي تقرر عدم قابلية الأموال العامة للتصرف فيها متى استمر تخصيصها للمنفعة العامة، وعدم جواز الحجز عليها أو اكتساب ملكيتها بالتقادم.

وقد تكون الحماية إدارية يتكفل بها القانون الإداري، من خلال وضعِ أنظمة متعددة ومتنوعة للجزاءات الإدارية؛ تسعى الإدارة من خلالها إلى مكافحة سوء استعمال واستغلال المال العام أو الإهمال في المحافظة عليه وصيانته.

وأخيرًا يأتي دور القانون الجنائي -بما يتضمنه من جزاءات رادعة-ليكون له النصيب الأكبر في إضفاء حماية شاملة للمال العام من كافة صور العبث به أو سوء استغلاله من جانب الموظفين العموميين القائمين على التصرف فيه أو إدارته؛ وذلك من خلال نصوص قانونية تجرِّمُ وتعاقب على كافة صور العدوان عليه. فما من تشريعٍ جنائي يخلو من تأثيم هذا العدوان، ضيقًا او اتساعًا حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في المجتمع.

ولم يتخلف المشرع القطري عن ملاحقة ركْبِ التشريعات الجنائية الحديثة في هذا الشأن، بتقرير الحماية الجنائية للمال العام في قانون العقوبات القطري رقم (11) لسنة 2004، وذلك عندما أفرد في الكتاب الثاني منه، وفي الباب الثالث الخاص بالجرائم المتعلقة بالوظيفة العامة، الفصل الثاني وخصصه لتجريم الاختلاس والإضرار بالمال العام.

وتشترك أغلب الجرائم الواردة في باب الاختلاس والإضرار بالمال العام في وقوعها من شخص يتصف بصفةٍ معينة وهي صفة «الموظف العام»، كما تشترك في الموضوع الذي تقع عليه الجريمة وهو «المال العام»، مما يقتضي تحديد المقصود بكل من هذين الوصفين.

الموظفُ العام:

المشرع القطري كان حريصا على أن يحدد صراحة من له صفة الموظف العام- أو من في حكمه- وذلك في المادة (3) من قانون العقوبات رقم (11) لسنة 2004 بنصه على أنَّه «في تطبيق أحكام هذا القانون، يُقصد بالعبارات الآتية المعاني المبينة قرين كل منها: الموظف العام: القائمون بأعباء السلطة العامة، والموظفون، والعاملون في الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة. ويُعد في حكم الموظف العام:

1- المحكمون والخبراء ومديرو التفليسة والمصفون والحراس القضائيون.

2- رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة، والمديرون، وسائر العاملين في الجمعيات والمؤسسات الخاصة والشركات، إذا كانت إحدى الوزارات أو أحد الأجهزة الحكومية الأخرى أو إحدى الهيئات أو المؤسسات العامة تساهم بنصيب فيها.

3- كل من يقوم بآداء عمل يتصل بالخدمة العامة بناءً على تكليف صادر إليه من موظف عام.

4- رؤساء وأعضاء المجالس التشريعية والبلدية، وغيرهم ممن لهم صفة نيابية عامة سواء كانوا منتخبين أو معينين.

5- الموظف العام الأجنبي: أي شخص يشغل وظيفة تشريعية أو تنفيذية أو إدارية أو قضائية لدى بلد أجنبي، سواء كان مُعيناً أو مُنتخباً، أو أي شخص يمارس وظيفة عمومية لصالح بلد أجنبي، بما في ذلك لصالح جهة أو منشأة عامة.

6- أي موظف أو مستخدم مدني دولي أو أي شخص تأذن له مؤسسة أو منظمة دولية عامة بأن يتصرف نيابةً عنها».

وقد كان المشرع القطري حريصا على أن يبين في الفقرة الأخيرة من هذه المادة على أنه يستوي أن تكون الوظيفة أو العمل أو الخدمة دائمة أو مؤقتة، بأجر أو بغير أجر، طواعية أو جبراً. وأنه لا يحول انتهاء الخدمة أو زوال صفة الشخص كموظف عام، دون تطبيق أحكام القانون الجنائي عليه، متى وقعت الجريمة أثناء الخدمة أو أثناء توفر تلك الصفة فيه.

 

الشريك المؤسس لمكتب شرق

وعضو لجنة قبول المحامين

 

[email protected]

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X