المنبر الحر
ساعة شرود

محطة غياهب الفكر

بقلم/ أحمد محمد سعيد:

في ذلكَ اليومِ كانت السماءُ ملبدةً بالغيوم وسرعان ما تصادمت جزيئاتُ السحب، فانهالت الأمطارُ وغسلت الأرض لتنثر عبقَ عطر الشتاء، في تلك اللحظة ابتهجت أسارير نفسي وهدأت قليلًا وأنا أنظر لهذه الشوارع المملوءة بالمياه فتذكرت أنني في القاهرة وأنني كنت أتخيل ليس إلا.

كان الطريق طويلًا لذا نالَ مني التعب، فجلست لأريح نفسي من عناء الطريق، وأخذت أُحدق في السماء فقد وجدت في الغيث عزاءً لي من عناء سفري ووعثائه..، وبينما أنا كذلك إذ بطيف خاطف مرَّ في خاطري استوقف شرودي فأخذت أفكر من هذا الزائر الذي تعمَّد استيقافي. ودون انتباه مني وجدت نفسي غارقًا في غياهب أفكاري التي لم أطرقها منذ أمد بعيد.. أحاديث لطالما بقيتْ طي الكتمان حبيسة لا تجد سببًا وجيهًا كي تخرج، وصور حافَظَ القلبُ على إخفاء محتواها، ورسائل بقيت مغلفةً خشية أن ينال منها الزمن، فتتبعثر حكاياها وتتمزق تاركةً لي سطورًا تعيد لي ما فات من وجع وألم. تبدد ذلك السكون وانقشع، أفقت على صوت المطر يضرب الأرض بقوة، وإذ بي أجد المطر قد عقد شراكةً مع ملابسي، فيا لِهذا الشرود، لم أكن أعلم أنني سألمحُ هذا الطيف الذي ذكّرني بأشياء كانت طيّ النسيان.

عصفت بي الرياح، وأخذت تلقي بي يَمْنَةً ويَسْرَة، في محاولة منها لإبعاد صورة هذا الطيف عن رأسي بإشغالي في اللحاق بما تطاير من أوراقي وتناثر، وكأن صوت الريح الشديدة يقول لي: انسَ الأمر فقد ولَّى، فتلك الذكريات باتت ككتاب طُوي في أطراف قصته، لم تحدد نهايته ولم تكتمل صفحاته ولا سبيل لإكمالها، كفاك تمسكًا بما فاتك وابْتَعدْ. ما زلت أتساءل عن ذلك الطيف، فقد بدا مألوفًا جدًا، فهل سيعاودني مرة أخرى؟ أم سأطرق برأسي وأسمع لما صرخت به الريح الغاضبة؟ أي الأمرين سيحدث؟ أظن أنني عرفت الآن..

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X