المنبر الحر

الأدبُ يكشف كثيرًا من النزعات

هل الأعمال الإبداعية مبعثُ دهشة للإنسان؟

بقلم/ عبد الكريم البليخ:

يُحاولُ الأديبُ، كما تحاولُ العلومُ الإنسانية الأخرى الكشفَ عن معنى الحياة، ومن التجربة الإنسانية تنطلق جميعًا لتؤدي غرضًا مُعينًا ذا قيمة وفائدة تصبّ أخيرًا في النفع العام.

وحينما يصف الأدبُ هذه التجربة بطريقةٍ مُباشرة حيّة مُتحركة، فإنّ العلومَ الإنسانيةَ تُعبّر عن البنية الأساسية لمفهوم الحياة وتترصّدها.

وترتبط تجربة المرء عن الحياة الإنسانية ومعاناته لها بالوعي. فالتجربة خلاصة لتشكيلة مُتنوّعة عريضة من الانفعالات والمواقف الإنسانية، والنيات التي أدركها في نفسه وفي الآخرين، بل إنَّ فهم المرء للإنسان وتجربته له يتضمّنان إدراكًا عميقًا لوحدة الشخصية، فلا معنى لتنوع مظاهر الحياة الإنسانية إلا إذا تمّ الكشف عن هذا التنوّع في نطاق تصميم مُتكامل خاص بحياة الإنسان، وعندئذ يُصبح لكل مظاهر السلوك الإنساني معنى.

والروائي العظيم، أو الشاعر المُلهم، أو الكاتب المسرحي صاحب العبقرية هو من يكشف تدريجيًا عن بنية الشخصية الإنسانية عندما يقود قرّاءه عبر تشكيلة من المواقف العصبية الحرجة التي تستجيب لها شخصيته، وتتجاوب معها، مُعيدة النظر باستمرار في توجيه حياتها.

ولا توجد روعةُ القصة أو المسرحية عادة في هذه المواقف، بقدر ما توجد في قدرتها على الكشف عن حياة الشخصيات الداخلية.

هكذا يُحاول الطبيبُ قراءة شخصية مريضِه، وفهم التركيب الفريد للدوافع التي توجّه حياته وتتحكم فيها، ويندهش علماء النفس والروائيون للدوافع الخفية الغريبة، التي تُملي الحوادث والمواقف، وإذا كان واجبُ الطبيب تبليغُ استنتاجاته إلى المريض، فإن واجب الكاتب المُبدع أن يكون ذا قدرة على إشراك عدد كبير من القرّاء في فهمه واستنتاجاته.

الكاتب المُبدع لشخصية خيالية يتأمّل، ويوصّل إلى القارئ تطوّر شخصياته وتدرّجها نحو الاكتمال والنضج.

الروائي أو المسرحي يُقدمان خدمةً مُماثلةً للجنس البشري بطريقة مُختلفة، إنّه يجعل الإنسان واعيًا بالقرارات التي يمكن أن يصادفها في حياته عندما يواجهه بعمل مسرحي للحظات الاختيار، بأصوات خيالية.

إنَّ الكاتبَ، لا شكّ أنّه يُبالغ في وصف العواقب التي نجمت عن الاختيار الذي قامت به الشخصيةُ الروائية، ويواجهنا مرة تلو المرّة، بالتأثير المحسوس الواقعي الناجم عن الاختيار على حياة الشخصية الروائية وحياة الآخرين.

ويكشف الأدب عن كثير من التيارات والنزعات الخفية التي تمتزج بمُغامرة الحياة الإنسانية.

تبقى الأعمالُ الإبداعية الأصيلة مبعثَ دهشةٍ للإنسان ما دام هناك رجال اختاروا ألا يهربوا من المُعاناة وأن يعيشوا واقعَ الحياة.

النمسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X