المنبر الحر
من وحي الألم..

كم تحت الثياب البالية من علم وحكمة

بقلم/ عماد حفني:

أظن –عزيزي القارئ- إن قال لك أحدهم: كن كالبرتقالة ولا تكن كالتفاحة! فإنك ستوسعه تسطيرًا وتكفيخًا «باللهجة الخليجية» أو «بالبوكس والشلوت» إن كنت إسكندرانيًا، أو «راح تطَعْميه قتْلِة ما شافها بحياتوو» على رأي إخواننا في الشام! وما ذاك إلا لأن البرتقال زهيد الثمن مطروح على الطريق، أما التفاحُ فيأتي في صناديقَ خاصة، وترتدي كل ثمرة منه غِلافًا ملفوفًا بكل عناية، فلا يشتريَه إلا من يستطيع، أو كما قال أبو فراس الحمداني: ومن يخطبُ الحسناءَ لم يَغْلُه المَهْرُ.

أما سبب حَرْدِك وغضبِك عليه، فهو ظنُّك أنه يريد أن يَتَنَقّصَ من قدرك، أو أن يصفَك –كفى اللهُ الشَّر- بأنك إنسان غير ذي قيمة، وأنك من الهَمَل، الذين لا يُؤبه لهم، أو يُلتفت إليهم.

وقريبٌ من هذا المَعنى ما ذكره الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه: «جَنَّةُ العَبيط» من أن البرتقال ظاهره يدل قطعًا على باطنه، فإذا كانت البرتقالة سليمةً من الخارج فهي بالتأكيد نظيفةٌ من الداخل –لأن اللي في قلبها على لسانها- وإذا طالها الفسادُ من داخِلِها، فلا بُدَّ أن تجدَ العفنَ الأخضرَ والأبيضَ على قشرتها، لتُعطيَكَ إشارةً لتتوقف عن تناولِها، ففيها «سمٌّ قاتل». أما التفاح فحُلوُ المَظهر، غيرُ مأمونِ المَخبَر، يغرُّك برائحتِه النفّاذةِ، وقدْ تجدُ العَطَبَ يسكُن قلبَه، بعدَ أن خدعَك بصبغَةِ «الميك أب» على وجنتيْه.

في حياتِنا وصداقاتِنا، كم من برتقالٍ وتفاحٍ -وتين شوكيّ وصبّار أيضًا- ولا تظهرُ حقيقةُ الناسِ إلا بالمُخالطة، ولا يَبينُ الجوهرُ إلا بالمُعايشة، ولكم خُدِعنا برائحة التفاح المُتوشِّح بثوبِ الجمالِ الخارجيّ البرّاق، وتخلينا عن البرتقالِ الزاهدِ في «الأنا» وتَصَدُّرِ الأحداث، فقدّمنا الناسَ بحسبِ ملابسِهم أو هيئتِهم، وأخَّرناهم لمظهرهم المُتواضع، وكم تحت الثياب البالية من علمٍ وحِكمة.

كان أبو حنيفة يجلس مع تلامِذتِه يمُدُّ رجليهِ لمرضٍ لزِمَه. ودخل إلى المجلسِ رجلٌ عليه علاماتُ الوقار وكان ذا لحيةٍ كثّة عظيمة، فما كان من أبي حنيفة إلّا أن عَقص رجليه إلى الخلف، وتربّع أمام ذلك الشيخ الوقور الذي قال لأبي حنيفة: يا إمامُ متى يُفطر الصائمُ؟ فأجابه: يفطرُ إذا غَرُبت الشمسُ. فقال الرجلُ: وإذا لم تغرب شمسُ ذلك اليوم فمتى يفطر الصائمُ؟!

فقال أبو حنيفة قولتَه المشهورةَ التي ذهبت مثلًا: آنَ لأبي حنيفة أن يمُدَّ رجليْه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X