كتاب الراية

الصج.. ينقال .. السواقة فن وذوق وأخلاق

العمل بإخلاص والمحافظة على النظام سعادة كبرى

ما الذي يجعلُنا نشيبُ قبلَ الأوان؟ هل الذي يجعلُنا نشيبُ هو عشقنا للكمال؟ لا أذكر أنني خالفت النظام ولكنَّ الآخرينَ يخالفونَه أمامي كل يوم، في الدوام تكون أوَّل الداخلين وآخر الخارجين وأكثر المنكبين على العمل، بينما مُعظم الزملاء الذين يعملون معك يتعللون بأوهى الأعذار للهروب من العمل والخروج من الدوام، وحين المُراجعة في معاملة أو حاجة ما، نقفُ في أماكنِنا في «الطابور» ولكنَّ المشاغبين الذين لا يعرفون النظام يتعدَّون على دور غيرِهم من المصطفين في الطابور ذات اليمين وذات الشمال فتبحُ أصواتُنا بالاحتجاج.
من الجميل أن نعملَ بإخلاصٍ، وأن نحافظَ على النظام، فتلك سعادةٌ كُبرى، إنَّ عشق الكمال يجب أن يكون لوجه الله سبحانه، فقيمة كالإخلاص لا يصح أن نقايض بها في حياتنا الدنيا وإلا فقدت أنبل معانيها، ومع ذلك فإنَّ النجاح في أول الأمر وفي آخره هو للإخلاص والمخلصين، ومع حب الكمال يحسن بنا أن نفهم أننا نعيش في حياة بشرية ونتعامل مع بشر، وإن هؤلاء البشر يختلفون اختلافًا كبيرًا في مقاصدهم وطبائعهم ونفوسهم، وإن الحياة البشرية بشكل عام معرضة للخطأ المستمر والتجاوز والأنانية وكل الصفات التي يجاهد الإنسان في الخلاص منها.
ليت أولئك يجاهدون، هذا الذي يمر من أمامك بسيارته كالسهم ثم توقفه الإشارة معك بماذا يجاهد وماذا كسب من كل هذا القبح؟ وهذا الذي يؤذي الناس ببوقه المزعج كيف جاهد؟ والآخر الذي يعيش بطالة مقنعة في عمله ويتعلل بكل الوسائل للحصول على إجازة عارضة، ألا ترى أن كل جهاده للانحدار، وما الفرق إذن بين الإنسان المخلص وغير المخلص؟
إنَّ المتسبب يجعل الإنسان الذي يحب النظام ويعشق الكمال في سيرك العجائب، ولكنه سيرك يدمي ويؤلم، وإن أضحك فعلى طريقة «شر البلية ما يضحك» ما يجعل أعصاب الإنسان متوترة.
أدِّ عملك بإخلاص وحافظ على النظام واعشق الكمال، ولكن تذكر أنك إنسان واجبه أن يؤدي ما يناط به على أكمل وجه وأن يكون سلوكه دائمًا سليمًا منضبطًا بعد ذلك لا يرهق نفسه بمخالفات الآخرين، لأنَّ هذا ضد الدين فقد علمنا الإسلام أن نغيِّر المنكر بأيدينا وإن لم نستطع فبألسنتنا، وإن لم نستطع فبقلوبِنا وذلك أضعف الإيمان، كما أنَّ هذا الإنكار الضعيف بالقلب وحده يجلب لصاحبه المرض.
إنَّ السواقة كما هو معروف فن وذوق وأخلاق، كما أنَّ مخالفة السير منكر، نعم منكر وتعطيل أوقات الآخرين منكر، لذلك فإنني إذا أخطأ صاحب السيارة المجاور لسيارتي أحادثه وأنصحه فينظر إليَّ ببرود، وبعضُهم يوجه لي كلمات نابية.
إنَّ مشاكل المرور لا تحل فرديًا، فإذا أردت أنا -كفرد- أن ألتزم بكل أنظمة السير، فلن يحميني هذا من متهور يخرج عليَّ كالسهم كما حدث معي مؤخرًا، وهكذا نرى أننا في حاجة إلى جهاد متواصل لكي نبلغ الكمال الممكن الذي نسعى له، جهاد أنفسنا أولًا، وهو الجهاد الأكبر، ثم جهاد الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فبدون ذلك فلا فرق أبدًا بين الإنسان العاقل الرزين والإنسان المجنون الطائش المتهور.

 

[email protected]

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X