كتاب الراية
«السعودي» يُحلِّق في سماء البطولة مثل صقْر «حرّ» بعد اصطياد «الحبارى» الأرجنتينيَّة

سيناريو مباراة «مونديالية» خضراء

منتخب السعودية ارتفع بأدائه المذهل «فوق هام السحب»

السعوديون نسجوا تفاصيل فوزهم التاريخي على منوال حياكة «السدو»

الأرجنتين ظهرت مثل «سمكة قرش» تحوم في الخليج بلا أسنان حادة

المدرب الأرجنتيني «سكالوني» ضاع في صحراء «الربع الخالي»

مثل صقرٍ عربيّ «حرّ»، حَلَّق منتخبُ السعوديَّة عاليًا، في سماءِ «مونديال قطر»، بعد فوزِه التاريخيِّ المستحقِّ، على مُنتخبِ الأرجنتين، الذي يعدُّ واحدًا من المُنتخباتِ المرشَّحة، للفوزِ ببطولةِ كأسِ العالم، في نسختِها الثانية والعشرين.

هناك، في «استاد لوسيل»، فَرَد الصقرُ السعوديّ جناحَيه، وانقضَّ على فريستِه، وأنشبَ مخالبَه في المُنتخبِ الأرجنتينيِّ، و «نتف ريشَه»، وكأنَّه يصطادُ «حُبارى»، تطيرُ في سماءِ البطولةِ العالميَّة، قادمةً من صحراءِ «باتاغونيا» في الأرجنتين، بعدما قطعَت آلافَ الكيلومتراتٍ من موطنِها، في المِنطقةِ المُحاذيةِ لجبالِ الأنديز.

وبالنسبةِ للصقَّارينَ السعوديين، كانَ مُنتخبُ «ميسي» ورفاقه يمثلُ الطريدةَ الطائرةَ الأولى الغالية، ما أعطاهُم شعورًا لا يوصفُ بالشغفِ، لمُمارسةِ هوايةِ «القنص»، لاصطيادِ «الحُبارى» الأرجنتينيَّةِ، التي تشكّلُ في قيمتِها وخصائصِها، كلَّ عناصرِ الصّيدِ الثمين.

وخلالَ عمليةِ الاصطيادِ، نسجَ المُنتخبُ السعوديُّ تفاصيلَ فوزِه على مُنافسِه القوي، على منوالِ حياكة «السدو»، وهو شكلٌ من أشكالِ النسيجِ التراثيِّ في السعوديَّةِ، وتمَّ إدراجُه في قائمةِ «اليونسكو» الخاصةِ بتسجيلِ التراثِ الثقافيِّ غيرِ المادي المُرتبطِ بالشُّعوب.

ووَفقًا لأنماطِ ذلك النسيجِ، الذي يعكسُ البيئةَ الصحراويَّةَ، ويتميزُ بتصاميمِه الهندسيَّةِ، «هنْدَسَ» اللاعبُ «سالم الدوسري»، هدفَ الانتصارِ التاريخيِّ، في مرمى «داميان مارتينيز» حارسِ الأرجنتين، وكأنَّه طائرةُ «مُسيَّرة»، أصابتْ أهدافَها، ويا لَه من «هدفٍ تراثيٍّ» صاعقٍ، سيبقَى في تراثِ بطولاتِ كأسِ العالمِ لسنواتٍ عديدةٍ، وأزمنةٍ مديدةٍ.

ولأنَّ نسجَ «السدو» يعدُّ ثقافةً تراثيَّةً، ويعكسُ موهبةً سعوديةً، غيرَ عاديةٍ، كانَ المُنتخبُ السعوديُّ «موهوبًا»، ولا أقولُ «محظوظًا»، وهو يقلبُ خسارتَه في الشوطِ الأوَّل، ويعدلُ النتيجةَ، بعد تقدُّمِ منافسِه الأرجنتينيِّ بهدفٍ، ويحوِّلُ الخسارةَ، إلى فوزٍ بجدارةٍ، وتأخُّرَه بهدفٍ، إلى انتصارٍ ثمينٍ، على منافسٍ سمين!

وإذا كانَ لاعبُ الأرجنتين الأسطوريُّ «ميسي»، قد أحرزَ هدفَ بلادِه الوحيد، من ضربةِ جزاءٍ في الدقيقةِ العاشرة، لينتهيَ الشوطُ الأوَّل، بهذا الهدفِ «اليتيم»، فقد لعبَ المنتخبُ الأرجنتينيُّ

الشوطَ الثاني، بأسلوبٍ «عقيمٍ»، وأداءٍ «سقيمٍ»!

كانَ الأرجنتينيونَ يحتاجونَ في الشوطِ الثاني، إلى تفعيلِ قوتِهم الهجوميَّةِ «ولا أقول الهمجيَّة»، وتعزيز تمريراتِهم القصيرةِ والطويلة، وإيجاد طريقةٍ فعَّالة، تسمحُ لهم بالتدخلِ والتداخلِ والدخولِ في نصفِ الملعبِ والوصولِ إلى المرمى السعوديّ.

إضافةً إلى التحكُّمِ في الكرةِ، والتحرُّكِ بدونِ الكرةِ، والسيطرة على الكرةِ، لكنَّ كلَّ هذا لم يحدثْ، إلا في حالاتٍ نادرة!

إضافةً لوجودِ حارسِ مرمى سعوديٍّ بارعٍ، ظهرَ في «لوسيل» كنجمٍ ساطعٍ، أفسدَ مخططاتِهم، فتكسَّرت على يدَيه هجماتُهم، لتعديلِ النتيجة.

وعلى الجانبِ الآخر، كانَ منتخبُ السعوديِّة، يقدِّمُ واحدًا من أفضل عروضِه الكُرويَّة، وأقوى أشواطِه «الموندياليَّة»، بعدما شنَّ سلسلةً من الهجماتِ المنظمةِ، توَّجها بإحرازِ هدفِ التعادل، في الدقيقةِ (48) بإمضاءِ «صالح الشهري»، الذي أثبتَ أنَّه لاعبٌ «صالح» في صناعةِ الفارقِ، وأنَّه سيكونُ «شهيرًا» في تاريخِ كأسِ العالم.

وبعدَها أضافَ «سالم الدوسري» في الدقيقةِ (53) هدفَ الأخضرِ الثاني، لتتصاعدَ «موجةٌ خضراءُ» في المدرجاتِ، جعلت الملعبَ، يبدو كأنَّه مساحةٌ شاسعةٌ واسعةٌ، من مزارعِ «نخيلِ القصيم»، التي تمدُّ المملكةَ والخليجَ العربيَّ بأجودِ وأفخرِ أنواعِ التّمور!

ويشكلُ هذا الانتصارُ السعوديُّ ثمرةً  ولا أقولُ تَمْرة  من ثمارِ التخطيطِ الرياضيِّ السليمِ في المملكةِ، حيثُ تحظَى الرياضةُ بشكلٍ عام، وكرةُ القدمِ بشكلٍ خاص، بدعمٍ «ملكيٍّ» لا محدودٍ، وَفقًا لمرتكزاتِ «الرؤية»، التي تسعى لتفعيلِ مكامنِ القوَّةِ الرياضيَّةِ في المملكة.

ولا يمكنُ لأحدٍ إنكارُ أنَّ الرياضةَ السعوديةَ، تعيشُ في مرحلةِ ازدهارٍ وانتصارٍ، وتحظَى باهتمامٍ كبيرٍ، و«رعايةٍ ملكيَّة» وتقديرٍ.

وكلُّ هذا، نتجَ عنه إعادةُ «المملكة» إلى الواجهةِ الرياضيَّةِ العالميَّة، وقفزَ بها لتخطِّي سقفِ أعلى المُستوياتِ، التي اعتادت على الوصولِ إليها.

ونتيجة لما حَظيت به كرةُ القدمِ السعوديَّةِ من اهتمامٍ، فقد أحدثتْ حالةً من «الصدمة»، والانبهارِ على الصعيدِ العالميّ، وخصوصًا بعد الفوزِ التاريخيِّ على الأرجنتين، الذي تحقَّقَ برُوحِ الحماسِ، وذِروةِ الإحساسِ، في مونديالِ كلِّ النَّاس.

ويمكنُ القول، إنَّ منتخبَ السعوديةِ، ارتفعَ بأدائِه المذهلِ في مباراةِ الأرجنتين، فوقَ، فوقَ «فوقَ هام السحب»، ليتصدرَ المجموعةَ الثالثةَ في البطولة.

وتحقَّقت الصدارةُ بجدارةٍ، بعد نجاحِه في اختراقِ حصونِ ودفاعاتِ المنتخب الأرجنتيني العاليةِ والحصينة، التي لا تقلُّ سماكتُها عن صلابةِ جدران «قصر المصمك»، المبنيَّة من الطوبِ الأحمر، ذلك الحصن الشَّامخ، الذي أُنشئ قبلَ أكثرَ من 160 عامًا، ودارت داخلَه وخارجَه وحولَه فصولٌ تاريخيَّةٌ، وملحمةٌ سعوديةٌ، شكلت نقطةَ تحولٍ حاسمةٍ في تاريخِ شبه الجزيرةِ العربية.

هكذا، وعلى إيقاعاتِ «العرضة النَّجديَّة»، اصطادَ منتخبُ السعوديَّة، منافسَه «بطل كوبا أمريكا»، بينما كانت أهازيجُ الجماهيرِ، تتصاعدُ في مدرجات «استاد لوسيل»، وهي تهتف:

دربنا أخضر..

قلبنا أخضر..

فالنا أخضر..

كلنا الأخضر..

ومعَ ذلكَ «الاخضرارِ الجماهيريِّ»، كانت هتافاتُهم، تكادُ تصل إلى «نَجد»، وسائرِ حواضرِ شبه الجزيرة!

ومن هناك، عندَ «خشم الحصان»، في جبالِ «طويق» الشامخةِ والشاهقةِ، وحتى هنا في «لوسيل»، وقفَ حارسُ السعوديَّة «محمد العويس» شامخًا، وهو يدافعُ عن مرماه بكلِ رجولةٍ وبطولةٍ، ولعبَ دورًا بطوليًا في المُحافظةِ على تقدُّمِ فريقِه، وكان سدًّا منيعًا، أفسدَ العديدَ من هجماتِ الأرجنتين.

وعلى وقعِ الصَّدمةِ السعوديَّة، حاولَ المنتخبُ الأرجنتينيُّ أن يؤديَ رقصةَ «التانغو» الشهيرةَ، التي يقترنُ اسمُها بتلك البلادِ، وتحديدًا عاصمتها «بوينس أيرس» وتعني النسيمَ العليل.

وتشكِّل «التانغو» لغةَ رقصٍ فريدةً، لكنَّ رقصتها، مثل الدنيا التي نعيشُها، لا يمكن أن تعيشَها وحيدًا، ولا يمكن أن تبقَى فيها معزولًا!

وكذلك تلكَ الرقصة الأرجنتينيَّة، لا يمكن أن ترقصَها منفردًا، بل لا بدَّ من وجود رجلٍ وامرأة يرقصانها، ويتمايلان بحركاتٍ متناسقةٍ، تاركَينَ لجسدَيهما حُريةَ التعبير.

وفي سياقِ هذه الحقيقة، حاول «ميسي» أن يجدَ امرأةً أرجنتينيةً تشاركُه الرقص، خلال المُباراة، وتشكّل معه ثنائيًا «تانغويًا» فلم يجدْ، واستسلمَ لقدرِه البائسِ، وتحوَّل إلى لاعبٍ يائسٍ!

وعلى الرغمِ من كونه أكثرَ اللاعبين تتويجًا بالألقابِ الفردية، في الدوريات الأوروبية، إلا أنَّ الأسئلةَ تدور دومًا في بطولاتِ كأس العالم، حولَ افتقارِه إلى التأثيرِ الحاسم، و «اللمسة السحرية» على المسرحِ العالمي، خاصةً أنه يشكل في أدائه وشخصيتِه القيادية، «الأيقونةَ» المحورية، لمُنتخب الأرجنتين سلبًا أو إيجابًا.

كلُّ هذا، ساهمَ ويساهمُ، في زيادة الضغوط الهائلة، على هذا اللاعب «الأسطوري»، وخصوصًا في حال إخفاقه مجددًا في قيادة منتخبِ بلاده، للفوزِ ببطولة «مونديال قطر»، بعدما وصلَ عمرُه إلى (35) عامًا.

ووسط هذه التحدياتِ، كان أداءُ الأرجنتين سلبيًا في مباراةِ السعوديَّة، وبدا الفريقُ المرعب، المرصّع بالنجوم، المؤهل لتجاوز الغيوم، والمرشح للفوز بالبطولة، وكأنه «سمكة قرش»، تدور وتحومُ في مياه الخليج العربي، بلا أسنان حادة!

ويكفي أنَّ المنتخب الذي يحمل لقب بطل «كوبا أمريكا»، الذي قهر البرازيل في عقر دارها وفاز على منتخبِها في نهائي البطولة بهدف أحرزه «دي ماريا»، لم يخسرْ في سلسلة (36) مباراة، متسلسلة، لكنه تعرض لهزيمة مهينة، وخسارة مذلة، أمام فريق خارج المراكز الخمسين الأولى، في تصنيف «الفيفا» حيث يأتي منتخب السعودية في المركز (51).

  • «صالح الشهري» أثبت أنه لاعب «صالح» سيكون «شهيرًا» في كأس العالم

وطبعًا، لا ننسى دور المدرب الفرنسي الداهية «هيرفيه رينارد»، في تطوير أداء المنتخب السعودي، من خلال خططه الذكية، وتكتيكه المتقن، ووضعه الاستراتيجية المُناسبة لكلِ مباراة، كما فعلَ في مباراة الأرجنتين، مُعتمدًا على نصب «مصيدة التسلل»، التي اصطاد من خلالها مهاجمي الأرجنتين، واحدًا تلوَ الآخر.

أمَّا غريمه المدرب «ليونيل سكالوني» فقد كان حائرًا، تائهًا، خلال مجريات الشوط الثاني، وكأنه رحَّالة أرجنتيني ضاعَ في صحراء «الربع الخالي»!

وبدا ذلك المدربُ الضائعُ، وكأنه أحدُ شخصيات «طاش ما طاش»، مفتقدًا القدرةَ على إحداث الفارق، لإنقاذ فريقه الغارق، الذي افتقد الأداء الحاسم، المتدفق بالإحساس، المشتعل بالحماس.

وفقد أسلوبَه المثيرَ، الممتعَ، الفاعلَ، المتفاعلَ، المتسلسلَ، وكان عاجزًا عن إيجادِ حلولٍ لكسر «مصيدة التسلل».

ومع استمرار تلك «المصيدة»، أطلق الحكم صافرته، وانتهت المباراة، وانطلقت من أفواه السعوديين، وكل العرب المُتواجدين، داخل الملعب وخارجه تلك الشهقة الصاعدة المتصاعدة، التي تخرج من الأعماق في لحظة الانتصار.

وبدأ الجمهورُ السعوديُّ يوزِّع «المطازيز»، و«الكليجة القصيمية» على الجماهير.

وشُوهد مدربُ الأرجنتين، يبحث في محيط مدينة «لوسيل» عن صيدلية، لشراء دواء يعالج حالة «الصداع النصفي»، التي أُصيبَ بها، بعد الخسارةِ الصَّادمة!

@AhmedAli_Qatar

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X