كتاب الراية

همسة في التنمية ….النظرية الصفرية وأثرها على التنمية البشرية

المعادلة الصفرية هي سبب اندلاع العديد من الحروب على مر التاريخ

يشهدُ القرن الجديد عددًا كبيرًا من التحوّلات التي شهدها العالم في السابق، وما هو بجديد أن يعودَ التاريخ إلى الوراء ليُذكّرنا بمُعادلات كانت في حِقبةٍ زمنيةٍ أرست نظامًا دوليًا اتفقت عليه الدول القوية، ومن هذا المُنطلق أصبحنا نرى أن مفهوم «المعادلة الصفرية» لم يعد يسهم في حل النزاعات الإقليمية أو الدولية لأنه معني بترسيخ مفهوم «الرابح في كل شيء أو خاسر كل شيء»، وهذه المُعادلة هي سبب اندلاع العديد من الحروب على مر التاريخ، ويرجع السبب الأصيل في أن أحد الأطراف المعنية أرادت لنفسها أطماعًا تفوق واقعها الجغرافي، ولذلك نرى أن بعض الدول قد خاضت نزاعات سياسية واستراتيجية فاقت إمكاناتها اللوجستية، ولنفس هذه الأسباب يبدو أن التجارة الدولية أعاقت فاعلية المُعادلة الصفرية حيث يقال «التجارة ليست مُعادلة مجموعها صفر» وأن التجارة والاقتصاد عمومًا تفتح آفاقًا توفق ما هو مُتوقع، من اتفاق يتم من خلاله تقسيم المنافع وتوزيع الأدوار بين الجميع، ولعل ما ينتظره العالم في القرن الواحد والعشرين وما يليه نسخ مُختلفة عن المُعادلات غير الصفرية، واتفاقات مُتشعبة بين الدول ومفاهيم تعتمد على تفعيل الدور المُجتمعي من خلال مُعاهدات اتفقت عليها الدول وفق رؤية واضحة تعتمد على التنمية المُستدامة والحفاظ على المُقدرات الطبيعية وتطويرها بشكل يضمن استمرارية العنصر البشري.

الحديث هنا لا يبدو مألوفًا إذا استغرقنا في العموميات، وعليه فإن القضية التي يتمحور الحديث عنها تُعبّر عن الإشكالية التي تبحث عن التوازن الدولي الجديد وفق معايير ومفاهيم تعمل على تنظيم العملية التنموية وفق المعايير الدولية المعنية بالتنمية المُستدامة، وفي ظل صعود دول وهبوط دول أخرى نجد أن النظام الدولي هو في أغلب الظن في طور التشكيل للوقوف عند بعض التطورات التي يشهدها النظام الدولي حاليًا، والتي تعكس الفترة الزمنية التي شهدت تحولات ديموغرافية على صعيد المُجتمع الدولي وتغيّر مساراته الخفية في الباطن، التي تسببت بشكل أو بآخر في تراجع صندوق النقد الدولي في السنوات العشر الأخيرة بدرجة لا يُستهان بها مع تقلص دوره في إقراض الأموال، والتي فتحت آفاقًا جديدةً ضخّت من خلالها صناديق الثروة السيادية رؤوس أموال في الأسواق الناشئة في السنوات الأخيرة تفوق ما ضخّه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي معًا. لنجد خلاصة القول إن ما قدمه المُحلل الاقتصادي الشهير، جيديون رخمان، في كتابه الصادر حديثًا «عالم المعادلة الصفرية» رؤية مفادها أن النظام العالمي قد دخل بعد الأزمة المالية مرحلةً تتسم بالتغيّر الجوهري وعدم الاستقرار الخطير للمنظومة التنموية، فبعد أن اعتمدت الدول الكُبرى لمدة ثلاثين عامًا على مفهوم «العولمة»، بوصفها نظامًا اقتصاديًا نجح في رفع مستويات المعيشة لأعداد كبيرة من البشر في مُختلف أنحاء العالم، وخلق مُناخًا من التعاون والمصالح المُشتركة بينها، ما دعم استقرار النظام العالمي، جاءت الأزمة العالمية لتضع حدًا لكل ذلك، فلم يعد من المُسلّم به أن عملية العولمة تصب في مصالح القوى الكبرى، ولم تعد الولايات المُتحدة تقود النظام العالمي بلا مُنافس، لأنه قد حلّ التنافس والنزاع محل التعاون، وأصبح منطق «المُعادلات الصفرية» هو الذي يسود العلاقات الدولية، كما أصبح الصعود الآسيوي مُرتبطًا بفقدان أعداد كبيرة من الأمريكيين العاديين لوظائفهم، وأصبحت المشاكل الاقتصادية التي تواجه دولًا أوروبية عديدة تُهدد الوحدة الأوروبية والعملة الأوروبية، وبذلك، فإن التقدم الذي أحرزته آسيا كان على حساب الولايات المُتحدة وأوروبا، وأصبح صعود الصين الاقتصادي يضغط بشكل واضح على علاقاتها إقليميًا ودوليًا مع دول الضد.

خبير التنمية البشرية

Instegram: @rqebaisi

Email: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X