كتاب الراية

خواطر.. الصُدْفة

ربما تقود المرء صدفة لم تخطر بباله يومًا إلى واقعٍ لم يكن في حسبانه

إتقان العمل لا يأتي صدفة، إنّه نتاج مُمارسة مبنيّة على أسس أخلاقية، ونية حسنة، وإخلاص في الجهد والتوجيه.

قالَ المُخترع توماس أديسون: «أنا لم أفعل أي شيء عن طريق الصدفة، لم تأتِ أي من اختراعاتي عن طريق الصدفة، بل عن طريق العمل».

وينبثق تعريف الصدفة من القضاء والقدر، ترتيب إلهي يحدث لسببٍ ما، قد نعرفه لاحقًا أو لا نعرفه، المُهم أنّها خُطوة أولى في بداية واقعٍ جديد.

واسيني الأعرج قال مُتفائلًا: «كلما ظننا أن الحياة انسحبت من بين أناملنا، أتت صدفة جميلة تجعلنا نُغير رأينا».

وعلى الرغم من أنه لا يمكننا فعل الكثير لكل شخص، إلا أنه يجب علينا فعل شيء لأولئك الذين وضعتهم الصدفة في طريقنا.

خلال كأس العالم 2022، حالفت الصدفة شخصيّات غير معروفة، كانوا يُمارسون حياتهم بشكل طبيعي، مثل رجل المترو #metro_man الذي كان يؤدّي وظيفته كمُرشدٍ لاتجاه السير نحو المترو، فنال إعجاب المُشجعين بخفة ظلّه، مع أنّه لم يُردد سوى كلمة مترو، لكنه الشغف بالعمل والترفيه عن الذات والآخر، فاستدرّ الضحك والمرح، فحظيَ بالجماهيرية هنا، وانتشر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ثم نال تكريمًا رسميًّا، كرر خلاله الشكر، مُعبّرًا عن حبّه لعمله وإسعاد الآخرين، واعتبر التكريم من حق فريق العمل، ليزداد إعجاب الجماهير بامتنانه وروح الجماعة التي يتمتع بها.

ربما تقود المرء صدفة لم تخطر بباله يومًا إلى واقعٍ لم يكن في حسبانه أو حتى بين أحلامه، أتمنى له ذلك.

أمّا «الأمير الغاضب» كما لقبه الصينيون، فهو شاب قطري بدا مُنفعلًا بمُتابعة المُباراة، وتحركت ذراعاه بعفوية لتعديل الغُترة، وهو مصدوم من «الجول»، دون أن يُلاحظ الكاميرا التي سجّلت اللقطة، ليُصبح «تريند» بدءًا من الصين إلى بقية العالم، كما تم مُحاكاة حركته البديهية بحركات «لعّيب» تميمة المونديال، فالصين أم التكنولوجيا، وهُنا لعبت الصدفة دورها مع صاحب التصميم الإلكتروني، أكثر من كونها أشهرت الشاب.

منذ أشهر، ظهر شخص اسمه عبد الرحمن عبد الرشيد، وهو عامل إفريقي بسيط من جمهورية أوغندا، يعمل في محطة لوقود السيارات في قطر، شاء القدر أن يتغيّب خطيب المسجد عن إقامة صلاة الجمعة، فتقدّم عبد الرحمن مُرتَدِيًا زي العمل بلا خجل، واعتلى المنبر وخطبَ في المُصلّين، وأقام الصلاة وقرأ آيات من القرآن الكريم، بصوت خاشع، ولغة عربية سليمة، فنال إعجاب المُصلين وكل من شاهده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكعادة أهل قطر منحوه تكريمًا رسميّا عبر وسائل الإعلام، وأشاروا له بالبنان، تقديرًا وامتنانًا.

بناء الثقة بالنفس مشروع تربوي وإنساني، والتدريب الذاتي على الرضا وحب العمل المُتاح، من أجل العيش بكرامة مع الاستمتاع بالمرحلة، يمنحنا الاتزان والسعادة.

الصُدَف كثيرة، لكن اغتنامها قليل، لو سقطت تفاحة على رأسي، لأغمي علي، ولو سقطت على رأس جائع لأكلها، فمن حُسن الحظ أنها سقطت على رأس نيوتن.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X